
في قسم العظام في المستشفى الأندونيسي شمال قطاع غزة، لم يجد الشاب أحمد الزعانين "25 عاماً" الذي كان مرافقاً لشقيقه المصاب بعيار ناري في القدم بعد مشاركته في مسيرات العودة الكبرى التي إنطلقت في 30 آذار من العام الماضي، سوى أن يتجول في أروقة المستشفى ليسرقه الوقت على إرادة منه، منتظراً النعاس، لينعم بقسطٍ من الراحة بعد ساعات طويلة شارك فيها شقيقه أوجاعه.
خلال تلك السويعات من الانتظار، راودت الزعانين بعض الأفكار، ليستقر أخيراً على فكرة بسيطة في مضمونها، تقوم على تحويل أدوات المصابين الشخصيّة إلى شيء ذو قيمة معنوية، بالإضافة لتوفير لنفسه فرصة عمل.
يقول الزعانين لـ "الجديد الفلسطيني": "خرجتُ من الغرفة رقم (6) التي أمكث فيها برفقة أخي ذاهباً إلى غرفة الممرضين المناوبين في تلك الليلة، ثم طلبت منهم خرطوم المحلول "نربيش"، فأعطاني الممرض دون تردد، ثم ذهبتُ إلى قسم الطوارئ والاستقبال بالطابق الأرضي، وبعدها طلبت أيضاً خيط مخصص للغرز، فلم يوافق الممرض لإعطائي الخيط، إلا عندما شرحت له ما الذي سأفعله به فوافق دون تردد".
ويصنع الشاب المبدع من تلك الأدوات الطبية " تذاكر" ومداليات خاصة بالهواتف الخلوية الحديثة في بداية الأمر لجأ الشاب إلى تلك الأشياء لإضاعة الوقت، مضيفاً " ثم أصبح مصدراً دخلي لي ولعائلتي المكونة من خمسة أفرد، حيث تستغرق الميدالية الواحدة قرابة الساعة بشكل متواصل" موضحاً، أن تكلفة الفن الذي اكتشفه صدفة "3" شيكلاً ويقوم بتوزيعه على المحال بـ سعر"4" شيكلا.
حين اقتربت الساعة من الثامنة والنصف جاء موعد زيارة الطبيب اليومية، يُكمل حديثه لـ "الجديد الفلسطيني" : "أعجب الطبيب عندما شاهد البعض من أعمالي الفنية، ثم طلب مني بأن يأخذها هدية له وفي اليوم التالي بعد أن صنعتُ قرابة (10) ميداليات بدأت بتوزيعها على المصابين اكراماً لهم".
الزعانين استمد قوته من المصابين الذين شجعوه على المضي وتوسيع أعماله غير المتوقعة، فقرر أن يذهب للصيدلية التي تتواجد بجوار المستشفى وشراء الأغراض التي يستخدمها في عمله، يردف: " كانت نسبة البيع عليها شبه مقبولة من قِبل الزوار اللذين أتو للاطمأن على أقربائهم المبيتين في القسم ولكنني وسعت أعمالي بدأت ببيعها على محال الجوالات ومكتبات الهدايا".
هذه ليست الحالة الأولى التي يحول المرضى ومرافقين المرضى أوجاعهم إلى لوحات فنية، فقبل قترة وجيزة تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا يظهر فيه للشاب المصاب إياد الكحلوت وهو يعزف الناي لزملائه المصابين في إحدى غرف المشفى، في مشهد جعل الكثير في الصحافيين يكتب عنه وبطريقتهم الخاصة.
يذكر أن مسيرات العودة هي مسيرات شعبيّة تهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بماضيهم وتراثهم وأرضهم، وتذكير العالم بمعاناة أجيال من الفلسطينيين المهجرين من أرضهم رغم القوانين الدولية الصادرة من الأمم المتحدة، ومن بينها قانون رقم 194 الذي يدعو صراحة إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم.