
حذّر خبراء بيئة وزراعة من المخاطر الكارثية التي تتهدد البيئة البحرية؛ في ظل تواصل عمليات الصيد الجائر التي يمارسها الصيادون على ساحل القطاع، خصوصاً إصرارهم على صيد الأسماك الصغيرة جداً، وعلى وجه التحديد أسماك السردين "البذرة".
ووصف هؤلاء الخبراء، خلال أحاديث منفصلة مع "الأيام"، ما يجري من صيد جائر بأنه تدمير للحياة البحرية، داعين الجهات التنفيذية إلى وضع حد لهذه الظاهرة ومحاربتها للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة البحرية.
وأكد هؤلاء أن استمرار صيد الأسماك الصغيرة وبكميات هائلة يؤدي إلى استنزاف الثروة السمكية وحرمان الأسماك الكبيرة الناضجة من أهم مصدر للطعام والغذاء.
من جانبه، قال مدير عام دائرة الثروة السمكية في وزارة الزراعة بقطاع غزة، عادل عطا الله: إن صيد الأسماك الدقيقة مخالف لكل القوانين المحلية، ويشكل خطراً على البيئة البحرية ويعرض الثروة السمكية لخطر الاندثار.
وأضاف عطا الله لـ"الأيام": إن إدارة الثروة السمكية منذ العام 2005 خاطبت العديد من الجهات التشريعية والتنفيذية لمنع هذه الظاهرة ووضع حد لها ولكن لحتى الآن لا نتيجة.
اتخاذ إجراءات لمحاربة هذه الظاهرة
وأوضح أن وزارة الزراعة اتخذت العديد من الإجراءات المشددة لمحاربة هذه الظاهرة، من بينها منع استيراد الشباك الخاصة بصيد هذه الأسماك، ومصادرة الكميات الموجودة لدى التجار، كما قامت بتنفيذ عمليات مداهمة لمخازن وقوارب صيادين ومصادرة الشباك.
وقال: على الرغم من هذه الإجراءات، إلا أن الصيادين يواصلون صيدها بداعي عدم وجود خيار أمامهم في ظل التراجع الحاد في كميات الأسماك الناضجة.
واعتبر عطا الله أن الجهات التنفيذية مسؤولة بشكل مباشر عن وقف هذه الظاهرة التي تستنزف الثروة السمكية وتحرم الأسماك الكبيرة من أهم مصدر لغذائها وحياتها.
وقدر عطا الله الكمية التي يتم اصطيادها من سمك "بذرة السردين" بأكثر من ألف طن، نصفها يتعرض للتلف لعدم قدرته على تحمل الأحوال الجوية الحارة، كما يتم استخدام جزء منه كسماد للنباتات.
وقال: إن الطن الواحد الذي يتم اصطياده بإمكانه أن يتكاثر ليصل إلى 12 طناً في حال عدم اصطياده.
اصطياد 1500 طن سنوياً
فيما يرى الخبير في الشأن الزراعي والبيئي، نزار الوحيدي، أن صيد السمك الصغير جداً "البذرة" في قطاع غزة يعتبر مشكلة صحية وبيئية.
وقال الوحيدي لـ"الأيام": إن ما يتم اصطياده من هذه الأسماك التي تتراوح أوزانها ما بين 1 – 5 غرام، يتجاوز 1500 طن سنوياً.
واعتبر أن هذه الأسماك والتي لا يزيد قطرها على 10 ملم، غير صالحة للأكل، فضلاً عن أن اصطيادها بهذه الكميات الكبيرة يضر بالثروة السمكية، ويؤدي إلى تدهور واستنزاف مخزون البحر المتوسط من أسماك السردين خاصة.
ويرى الوحيدي أن الخطر في ذلك أن هذه الأسماك صغيرة جداً، ولم تصل إلى الحد الذي يجيز استهلاكها كغذاء، ولصعوبة تنظيفها واستحالته وبقاء جزء كبير من أمعائها والمخلفات الضارة بالصحة منها في الطعام.
وانتقد الوحيدي بشدة ما يروجه البعض من أن هذه الأسماك لا تكبر، وأن هذا هو الحجم النهائي لها، معتبراً أن هذا اعتقاد خاطئ جداً وغير صحيح؛ "فهي في الغالب يرقات أو بذور أو المسماة اصطلاحاً "زريعة" سمك السردين، وهي تعيش في مجموعات (أسراب) كبيرة جداً تصل أعداد أسماكها إلى الملايين، ما يسهل على البحارة اصطيادها، هذا بالإضافة إلى أنواع أخرى من الأسماك المهاجرة"، وحمّل المسؤولية عن صيد هذه الأسماك للشرطة البحرية والمستهلكين الذين يقبلون على شرائها.
سبب في التصحر البحري
وحذر الوحيدي من أن الصيد الجائر هو أحد أسباب تصحر البحر، متوقعاً أن يصل القطاع قريباً إلى حالة العوز والفقر السمكي، ما سيترتب عنه أثر خطير على الأمن الغذائي في القطاع.
من جانبه، قال أحد المسؤولين والناشطين في مؤسسات الصيادين في قطاع غزة: إن الحكومة تلقت كباقي الدول المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط احتجاجاً رسمياً من جامعة الدول العربية بسبب الصيد الجائر الذي يمارس ويستهدف الأسماك الدقيقة وغيرها.
وأكد الناشط، الذي فضّل عدم ذكر اسمه لـ"الأيام"، أن وقف هذه الممارسات مرتبط بقرار تنفيذي من الجهات التنفيذية والتي يقع على عاتقها وضع حد لهذه الظاهرة التي تشكل خطراً جسيماً على الحياة البحرية.
وفي الوقت الذي أكد رفض هذه الممارسات أبدى تفهمه لإصرار الصيادين على صيد الأسماك الصغير جداً لعدم وجود خيار آخر، خصوصاً مع الحصار المشدد الذي يفرضه الاحتلال على الصيادين وتقليصه لمساحة الصيد والتراجع الحاد في احتياطي الأسماك المحلية الناضجة.
وقال: إنهم في مؤسسات الصيادين ينتظرون رداً وخطاباً من الحكومة حول هذا الموضوع في قادم الأيام.
تفهم أوضاع الصيادين
أما زكريا بكر، مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة، فعلى الرغم من اعترافه بخطورة صيد البذرة على أنواع الأسماك الأخرى التي تتغذى عليها، إلا أنه يرى فيه خياراً منطقياً في ظل التراجع الحاد وغير المسبوق في كميات الأسماك الناضجة المتوفرة بالقطاع.
وقال بكر لـ"الأيام": إن صيد السردين الصغيرة جداً خيار صعب، إلا أن الأصعب من ذلك هو حرمان أكثر من ألف صياد من صيدها وبالتالي حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد.
وأضاف: إن حرمان هذه المجموعة الكبيرة من الصيادين من صيدها سيجعلهم ينضمون إلى جيش البطالة.
وتابع بكر: إن الصيد في ساحل القطاع بشكل عام هو صيد جائر كونه يشكل حاضنة وبيئة بحرية لتكاثر الأسماك بسبب دفئ مياه البحر.
وأكد بكر صعوبة السيطرة على هذه الظاهرة ومنعها، خصوصاً أن الجهات التنفيذية جربت في السابق منع صيدها، إلا أنها فشلت بالصمود في تجربتها بسبب احتجاجات الصيادين وتدهور أوضاعهم المادية.
واعتبر بكر أن الظروف غير مواتية على الإطلاق لوقف صيد هذه الأنواع من الأسماك التي تعتبر طعاماً وغذاءً للأسماك الكبيرة.