
تحديات كبيرة تفرضها جائحة فيروس كورونا على اقتصاد قطاع غزة الذي تعصف به الأزمات من كل حدب وصوب، ويعمل تحت ضغط متواصل وعقبات مختلفة التفاصيل ومتشابكة الأطراف، في ظل حصار اسرائيلي خانق منذ ما يزيد عن 14 عامًا على التوالي.
الحصار الذي خنق كل مقومات الحياة الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية بغزة، حُرمت بموجبه القطاعات الاقتصادية بغزة من الكثير من المواد الأساسية للمصانع والشركات والمؤسسات بذريعة أمنية للاحتلال، حتى جاءت أزمة كورونا فضاعف من جراح غزة وأزماتها الاقتصادية.
حقائق وتوصيات
الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع وضمن ورقة حقائق أعدها، أوصى بضرورة استعادة الوحدة الفلسطينية بين جناحي الوطن وذلك بإنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة الوطنية، والاستعانة بكافة الخبرات والطاقات الفلسطينية للمساهمة في ذلك، لتجنيب قطاع غزة مزيدا من الانهيار والمساهمة في حل الأزمات التي يعاني منها.
وأكد الطباع ضمن الورقة التي أصدرتها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بغزة، بضرورة تحرك المجتمع الدولي والمؤسسات والمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ورعاة السلام، واللجنة الرباعية للضغط الحقيقي والجاد على الاحتلال، من أجل فتح كافة معابر قطاع غزة أمام حركة الأفراد والبضائع، والعمل على إنهاء الحصار الظالم بشكل فوري، لتجنيب قطاع غزة من كارثة اقتصادية واجتماعية وصحية، بيئية.
وضمن توصية الخبير الاقتصادي فإن من الضروري إطلاق برنامج لحماية الفقراء، بهدف توفير الحماية والرعاية والأمان الاجتماعي، يقدم المساعدات للأسر الأكثر فقراً، والفئات المهمشة في المجتمع وصولا إلى تطوير شبكة أمان اجتماعية.
وعلى صعيد دور الحكومة، بين أنه في ظل استمرار تفشي فيروس كورونا، يجب وضع خطط حكومية، تستجيب لتداعيات ذلك على الاقتصاد وانعكاساته على سبل العيش من خلال حزمة من الإجراءات والتسهيلات الحكومية، والاستفادة من التكنولوجيا الرقمية من خلال دعم المشاريع الريادية في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ودعم مشاريع العمل والتعليم عن بعد.
تراجع الانتاجية
ويعتبر القطاع السياحي من أكبر القطاعات المتضررة جراء أزمة وباء كورونا، وبلغت نسبة توقفه 100% بسبب إغلاق المنشآت السياحية مثل المطاعم وقاعات المؤتمرات وورش العمل، وصالات وقاعات الأفراح إلى جانب إلغاء جميع الحجوزات.
وبالإضافة إلى ما سبق، أغلقت شركات السياحة والسفر وشركات الحج والعمرة أبوابها، مما أدى إلى تضرر العاملين في القطاع السياحي، في حين شهد القطاع الصناعي تراجعا ملحوظاً في الإنتاجية في ظل الإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، وفقد نحو 10000 عامل وظائفهم.
وشهدت القطاعات التجارية المختلفة تراجعا ملحوظا وانخفضت قدرتها الإنتاجية بسبب انعدام القدرة الشرائية، وتوجه المواطنين إلى القطاعات الأكثر احتياجا والتي تمثلت في المواد الغذائية، مواد التنظيف والوقاية والمستلزمات الطبية.
وتهدف الورقة التي أعدها الطباع إلى تسليط الضوء على أثر جائحة كورونا على سبل العيش في قطاع غزة وذلك مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والإنسانية، وتوقف العديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية عن العمل وانخفاضها بنسب متفاوتة، وانعكاس ذلك على الوضع المعيشي للأسر بغزة، والتي ازدادت ظروفها المعيشية سوءاً في ظل حالة الاغلاق السائدة جراء كورونا.
ارتفاع البطالة والفقر
وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي بغزة، فإن التأخر في عملية إعادة الإعمار، خصوصا في القطاع الاقتصادي وعدم تعويض الشركات المتضررة أدى إلى تداعيات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية، فيما حذرت العديد من المؤسسات الدولية من تداعيات إبقاء الحصار المفروض على القطاع، وتأخر عملية إعادة الاعمار على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية.
ووفق تقرير صادر من الأمم المتحدة بتاريخ 27/8/2012، فإن قطاع غزة لن يكون "ملائما للعيش" بحلول عام 2020 ما لم تتخذ إجراءات عاجلة لتحسين إمدادات المياه والكهرباء وخدمات الصحة والتعليم.
وبلغت معدلات ارتفاع البطالة 46% خلال الربع الأول من عام 2020، وبلغ عدد العاطلين عن العمل 211 ألف شخص، وبحسب البنك الدولي فإن معدلات البطالة بغزة تعتبر الأعلى عالميا، فيما ارتفعت معدلات البطالة بين فئة الشباب والخريجين في الفئة العمرية من 20-29 سنة الحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط أو بكالوريوس في قطاع غزة لتتجاوز 69.%
كما تضرر قطاع النقل والمواصلات، وتوقف بنسبة 80% بسبب توقف الجامعات والمدارس ورياض الأطفال بالإضافة، إلى قلة حركة المواطنين داخل القطاع، وتضرر ما يزيد عن 3000 عامل ممن يعملون في هذا القطاع.
وشهد القطاع الصناعي تراجعا ملحوظاً في الإنتاجية، وأكثر ما تضررت القطاعات الإنشائية والورقية والهندسية والمعدنية والخشبية والألمونيوم، أما القطاعات الأقل تضرراً قطاع الخياطة والنسيج باستثناء عدد محدود من المصانع التي عملت على إنتاج الملابس الواقية من الفيروس، تلتها الصناعات الجلدية والخشبية، وقطاع الطاقة المتجددة.
وبخصوص القطاعات التجارية المختلفة، فقد شهدت تراجعا ملحوظا، حيث انخفضت قدرتها الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70%، وذلك بسبب انعدام القدرة الشرائية وتوجه المواطنين إلى القطاعات الأكثر احتياجا والتي تمثلت في المواد الغذائية، مواد التنظيف والوقاية والمستلزمات الطبية، وتراجعت القطاعات التي لم تعد ذات أهمية للمواطنين في ظل جائحة كورونا والتي تمثلت في بيع الملابس والأحذية، المكتبات والقرطاسية التي تأثرت بتوقف المدارس والجامعات وباقي القطاعات الأخرى المختلفة.
تعطيل مؤسسات
وتسببت جائحة كورونا بوقف شركات المقاولات لأعمالها إلا في المشاريع الطارئة، وتعطلت نحو 200 شركة مقاولات بغزة يعمل بها نحو 10 آلاف عامل توقفوا عن العمل منذ بداية إجراءات الوقاية من كورونا.
والى جانب ذلك، تأثرت كافة المؤسسات التعليمية الخاصة المرخصة والمعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم، حيث تم إغلاق كافة رياض الأطفال في غزة والذي يبلغ عددها 700 روضة، وإغلاق 53 مدرسة خاصة، وإغلاق 365 مركز تعليمي خاص، مما أدى إلى تضرر العاملين في القطاع التعليمي الخاص، بالإضافة إلى الالتزامات اليومية المطلوبة من أصحاب العمل، ويبلغ عدد العاملين في الانشطة ذات العلاقة بالقطاع التعليمي الخاص بغزة ما يزيد عن 5000 عامل.
وأدى التوقف الاقتصادي بسبب جائحة كورونا إلى تعطل ما يزيد عن 45 ألف عامل عن العمل، هذا بالإضافة إلى الخسائر الفادحة التي تكبدها أصحاب المنشآت الاقتصادية.
وعلى صعيد تأثر قطاع الزراعة بجائحة كورونا، فقد تعرض القطاع الزراعي لخسائر فادحة بسبب جائحة كورونا والتي عمقت من هموم المزارعين التي اعتادوا عليها بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وأدى إغلاق المعابر والأسواق ووقف التصدير لفترات محدودة إلى تلف المحاصيل الموجهة للتصدير، وانخفاض حاد في أسعار كافة المحاصيل الموجهة إلى الأسواق المحلية.
وبين الطباع، أنه في ظل استمرار القيود الخاصة بجائحة كورونا، يجب اتخاذ خطوات جدية من شأنها تعزيز آليات التكامل والتنسيق بين كافة المؤسسات الزراعية والمجتمعية للحفاظ على استمرار العملية الإنتاجية الزراعية وضمان الأمن الغذائي للمواطنين في قطاع غزة.
ظواهر خطيرة
وأدى التراجع المفاجئ للأنشطة الاقتصادية والضغط على الموارد المالية للسلطة الفلسطينية إلى تعريض موارد رزق الفلسطينيين لمخاطر عالية، حيث يستمر تأثير فيروس كورونا في الإضرار بالاقتصاد بشدة وذلك بعد أن سجل معدل النمو 1٪ فقط عام 2019، ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 7.6% على الأقل خلال عام 2020.
وطالب الطباع بالعمل بجدية بعد مرور الأزمة الحالية على رفع القيود الخاصة بتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الإطار القانوني، وهو ما يؤدي دورًا مهمًا في تحفيز الاقتصاد المتعثر.
وعلى صعيد آخر، بلغ معدل الفقر بين سكان قطاع غزة وفقا لأنماط الاستهلاك الحقيقية 53%، وبلغ معدل الفقر المدقع 33.8% وفق آخر إحصائيات رسمية صادرة من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وبلغت نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى الأسر 68% أو نحو 1.3 مليون نسمة، فيما80% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية.
وأدى تأزم الوضع المعيشي في غزة إلى انتشار حالات التسول في أماكن معينة كالمستشفيات والبنوك المساجد والأسواق والمحال التجارية وجوانب الطرق، كما انتشر التسول الإلكتروني، إضافة إلى انتشار العديد من المشاكل الاجتماعية وعلى رأسها ارتفاع معدلات الطلاق، وزيادة ملحوظة في أوامر الحبس على الذمم المالية.