1. ما هي قائمة الموادّ “ثنائيّة الاستخدام”؟
2. كيف تدخل موادّ البناء إلى القطاع؟
3. ما هي واجبات إسرائيل والجهات الأخرى تجاه دخول البضائع إلى غزّة؟
4. أي البضائع تدخل من مصر، ولماذا تُقيّد كميّتها؟
5. ما هو المسار “العادي” لدخول البضائع “ثنائيّة الاستخدام” من إسرائيل؟
6. ما هي منظومة التنسيق المعتمدة بين إسرائيل والمنظّمات الدوليّة؟
7. ما هي “منظومة إعادة إعمار غزّة” وكيف تعمل؟
8. هل منظومة إعادة الإعمار فعّالة بتحقيق أهدافها؟
9. هل تتغيّر منظومة إعادة إعمار غزّة؟
10. هل التقييدات على البضائع ثنائيّة الاستخدام ضروريّة للحفاظ على أمن إسرائيل؟
مقدّمة
تقيّد إسرائيل منذ سنوات دخول موادّ البناء إلى قطاع غزّة، كما الموادّ الخام، الموادّ الكيماويّة، معدّات وقطع غيار ضروريّة للصناعة ولجهاز الصحّة وللبنى التحتيّة المدنيّة الأساسيّة في القطاع. تقرّر إسرائيل أن تعرّف آلاف الموادّ الحيويّة كموادّ “ثنائيّة الاستخدام”- ويُقصد بذلك البضائع التي تُستخدم لأغراض مدنيّة واضحة، إنما يُمكن أيضًا أن تُستخدم لأغراض عسكريّة- وتعتمد تعريفًا أوسع بكثير من المتّبع وفق المعايير الدوليّة. تخضع هذه الموادّ لرقابة وفحص مشدّدين، بادعاء أنها قد تخدم التنظيمات المسلّحة في غزّة، لبناء الأنفاق أو التحصينات أو إنتاج معدّات عسكريّة على سبيل المثال.
منذ تشديد الإغلاق على قطاع غزة بين الأعوام 2007 و- 2010، فترة أحداث أسطول الحرية “مافي مرمرة”، منعت إسرائيل دخول قائمة طويلة من البضائع المدنيّة إلى القطاع، من بينها منتجات أساسية مثل الكزبرة، مناديل المراحيض، الألعاب والشوكولاتة. عمليًا، احتوت القائمة التي لم تُنشر رسميًا أبدًا على بضائع سمِح بدخولها إلى غزّة – بينما مُنعت كلّ البضائع الأخرى. في العام 2012، وبعد عمل قانوني مطول قامت به “چيشاه – مسلك”، كشفت وزارة الأمن عن ملف “استهلاك الغذاء في القطاع – الخطوط الحمراء” الذي يتضمن معلومات عن سياسة تقييد دخول المواد الغذائية الى قطاع غزة والتي كانت مطبَّقة بين الأعوام 2007 و- 2010.
بالرغم من أن سياسة “الخطوط الحمراء” لم تعد سارية المفعول، فإن قائمة المواد “ثنائية الاستخدام” التي تحددها إسرائيل والتعريفات الفضفاضة التي تتضمنها، بالإضافة إلى انعدام شفافيتها والتنسيق المعقد المطلوب من أجل دخول هذه المواد للقطاع، ما زالت تؤثر على كافة معالم الحياة اليومية في غزة.
خلال العدوان على قطاع غزّة في أيّار 2021، أدّى القصف الإسرائيليّ إلى دمارٍ واسعٍ وأضرار كثيرة بالعمارات السكنيّة، المصالح التجاريّة، المدارس، وطرق المواصلات وبنى تحتيّة أخرى في غزّة. وهي أضرار تقدّر بما يتراوح بين 290 و-380 مليون دولار. أكثر من 60 ألف وحدة سكنيّة تضرّرت، وأكثر من 2,000 وحدة تضرّرت بشكلٍ بالغٍ أو هُدمت تمامًا. علاوةً على القصف الإسرائيليّ المستمر، فإن التقييدات التي تفرضها بشكلٍ متواصل على دخول البضائع إلى غزّة تفاقم الضرر بأهالي القطاع وبسير حياتهم اليوميّة.
في هذه الأيّام، تتيح إسرائيل، نسبيًا، دخول موادّ البناء (اسمنت، حديد وحصى) من معبر كرم أبو سالم، وهو المعبر التجاريّ الوحيد بين إسرائيل وقطاع غزّة. ويأتي ذلك بعد أن منعت إسرائيل دخول هذه المواد كليًا خلال الشهور الثلاثة التي تلت العدوان، أي من أيّار وحتّى أيلول 2021. تدخل موادّ البناء من مصر إلى غزّة منذ نهاية أيّار. أرسلت مصر إلى غزّة آليّات ثقيلة ومعدّات أخرى لإخلاء الركام، وهي معدّات يُمنع دخولها عادةً من إسرائيل ومصر. في ظلّ منع دخول موادّ البناء إلى القطاع لثلاثة أشهر متتالية، ومع الضبابيّة السائدة بما يتعلّق بتمويل إعادة الإعمار والتقييدات الإسرائيليّة المستمرّة، تم إخلاء الردم بسرعة نسبيًا، إلّا أنّه هناك مماطلة في عمليّة إعادة الإعمار.
التقييدات الإسرائيليّة على دخول الموادّ “ثنائيّة الاستخدام” إلى قطاع غزّة تعرقل البناء، إعادة الإعمار والتطوّر الاقتصاديّ، في الوقت الذي تنتهك حقوق أهالي غزّة الأساسيّة. في هذا التقرير، سنقدّم أجوبةً للأسئلة الشائعة حول سياسة إسرائيل بشأن الموادّ “ثنائيّة الاستخدام” ومنظومة إعادة الإعمار في غزّة (GRM). في الخاتمة، سنعدد الخلاصات المركزيّة من بحثنا المتواصل بهذا الشأن، وشؤون أخرى مطلوبة من أجل تمكين الوصول للبضائع.
ما هي “قائمة الموادّ ثنائيّة الاستخدام”؟
تقيّد إسرائيل دخول آلاف الموادّ إلى الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة باستخدام “قانون مراقبة التصدير الأمنيّ (2007)“، وأمر مراقبة التصدير الأمنيّ. يتضمّن هذا الأمر قائمتين؛ واحدة مشتركة للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وأخرى تتضمّن تصنيفات إضافيّة لبضائع وموادّ تُعرّف “ثنائيّة الاستخدام” ويُقيّد دخولها إلى قطاع غزّة فقط. تتعدّى هذه القائمة بكثير ما تحدّده اتفاقيّة “فاسينار” – وهو نظام ينظّم التجارة الدوليّة بالموادّ ثنائيّة الاستخدام ويضم 42 دولة، منها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. في القائمة الإسرائيليّة للموادّ ثنائيّة الاستخدام، تلك الخاصّة بقطاع غزّة، تظهر موادّ ضروريّة للبناء، مثل الأنابيب الحديديّة التي تزيد عن قُطر معيّن، خلّاطات الباطون، مضخّات، ومعدّات ميكانيكيّة ثقيلة مختلفة. إضافة لموادّ البناء، فإن القائمة الإسرائيليّة تتضمّن آلاف الموادّ المطلوبة لحاجات مدنيّة يوميّة، مثل الأسمدة الزراعيّة أو مركّبات لمستحضرات التجميل.
لا يمكن إجراء تعديلات على قائمة الموادّ ثنائيّة الاستخدام من دون إجراء تشريعيّ يتدخّل فيه وزير الأمن، إلا أنّ الجهات الأمنيّة الإسرائيليّة تستطيع إضافة وحذف موادّ بحسب الحاجة، بالاعتماد على القرار (ب/44) للمجلس الوزاريّ السياسيّ-الأمنيّ المصغّر. الشفافيّة ضئيلة جدًا بما يتعلّق بقائمة الموادّ ثنائيّة الاستخدام الخاصّة بالقطاع (في السابق كان يُمكن أن نجد القائمة في موقع منسّق عمليّات الحكومة الاسرائيلية، حتّى بترجمة للإنجليزيّة والعربيّة، إلا أنّها أُزيلت الآن). كذلك الأمر بالنسبة للشفافيّة بما يتعلّق بقرار المجلس الوزاريّ المصغّر (ب/44) وإجراء اتخاذ القرارات المتعلّق به.
هكذا، مثلًا، تتضمّن القائمة موادّ تستلزم تنسيقًا وتصريحًا خاصًا من أجل إدخالها للقطاع، إلا أن دخولها يُمنع فعليًا من قبل السلطات الإسرائيليّة بموجب الصلاحيّة الممنوحة لها بالقرار (ب/44). في حزيران 2020، نشر منسّق عمليّات الحكومة – الوحدة المسؤولة من قبل وزارة الأمن الإسرائيليّ عن الشؤون المدنيّة في الأراضي الفلسطينيّة – إعلانًا بأنّ ادخال الأنابيب الحديدية التي يزيد قطرها عن 1.5 بوصة صار يتطلّب تصريحًا خاصًا. منذ كانون ثاني 2021، تذكر جهات في غزّة أنّه لم يعد ممكنًا إدخال الأنابيب الحديديّة بالمرة. كذلك، فإن موادّ أخرى في القائمة لم تدخل سابقًا بالمطلق –أو بشكل شبه مطلق- رغم أنّها يُفترض، نظريًا، أن تدخل بتصريح، ومن ضمن هذه الموادّ صمغ الأبوكسي، الفيبرغلاس، وغيرها من الموادّ الحيويّة للصناعة والقطاعات الاقتصاديّة الأخرى.
من جهةٍ أخرى، ومنذ عام 2015 حتّى 2021، لم تعد إسرائيل تتعامل مع الحصى والاسمنت (من أنواع محدّدة) كموادّ ثنائيّة الاستخدام. ومكّنت دخول إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم بشكل حر نسبيًا (ما عدا في بعض الأشهر بعد العدوان في أيّار، خلالهما منعت إسرائيل قطعيًا دخول هذه الموادّ). في أيلول 2021، بدأت إسرائيل بالسماح بإدخال قضبان حديديّة إلى غزّة بتنسيق عاديّ (أي ليس بإجراء تنسيق خاص كالمطلوب للبضائع ثنائيّة الاستخدام كما هو مُفصّل بالسؤال الخامس). مع هذا، فإن موادّ البناء الأساسيّة لم تُحذف من قائمة الموادّ ثنائيّة الاستخدام. قرار وقف التعامل معها كموادّ ثنائيّة الاستخدام يتيح دخولها بالفعل أكثر من السابق، إلا أن عدم الوضوح وعدم الاستقرار في هذه المعايير الإسرائيليّة لتعريف الموادّ ثنائيّة الاستخدام يزيد من التحديات أمام البناء وإعادة الإعمار في القطاع.
مشكلة مركزيّة أخرى تكمن في أن القائمة لا تتضمّن موادّ معيّنة فقط، إنما أيضًا تصنيفات فضفاضة وضبابيّة مثل “معدّات اتصال”، وهي تصنيفات تتضمّن مئات أو آلاف الموادّ وقطع تركيبها: هذه التصنيفات الجارفة والغامضة تمنح السلطات الإسرائيليّة قوّة لمنع دخول أي بضائع حيويّة للحاجات المدنيّة في قطاع غزّة.
مكلفة، مرهقة وتعيق العمل
محمد العصار، صاحب شركة التعاون للباطون، يؤيد إلغاء آلية إعادة الإعمار (GRM) معتبرًا إياها منظومة "سيئة، فاسدة ومكلفة". قال العصار أن "على المقاول دفع المال مقابل مساحة التخزين التي تصادق عليها الآلية وكل ما يتعلق بها، (الكهرباء والإضاءة ورسوم الإصلاح والكوابل والمزيد)، حتى في الفترات التي لا يعمل فيها المقاول".
كيف تدخل موادّ البناء إلى القطاع؟
تدخل الموادّ ثنائيّة الاستخدام إلى القطاع عبر 5 مسارات. عبر إسرائيل 1) المسار ثنائي الاستخدام الاعتياديّ الذي تديره إسرائيل. 2) منظومة إعادة إعمار قطاع غزّة. 3) اتفاقيّات ثنائيّة بين إسرائيل وجانب آخر (مؤسسات فلسطينيّة أو منظّمات دوليّة). وعبر مصر 4) بوابة صلاح الدين.
تسيطر إسرائيل وتراقب كل البضائع التي تدخل وتخرج من قطاع غزّة عبر معبر كرم أبو سالم (يُنظر تقرير “چيشاة-مسلك” حول هذا المعبر). كل دخول بضائع إلى غزّة عبر المعبر مشروط بتنسيق مع الجيش الإسرائيليّ، إلا أنّ البضائع التي تعتبرها إسرائيل “ثنائيّة الاستخدام” تخضع لرقابة أشدّ بكثير، وهو ما يتطلّب تقديم طلب عبر إحدى المسارات الثلاثة الأولى المذكورة أعلاه، وانتظار التصريح.
ما هي واجبات إسرائيل والجهات الأخرى تجاه دخول البضائع إلى غزّة؟
بسبب سيطرة إسرائيل المستمرّة على جوانب كثيرة من حياة أهالي غزّة -والتي تطبّق من خلال الإغلاق الذي تفرضه على القطاع برًا وبحرًا وجوًا، ضمن وسائل أخرى- تتحمّل إسرائيل مسؤوليّات بحسب قوانين الاحتلال. يُلزم القانون الدوليّ القوّة المحتلّة بأن تتيح مسلكًا سريعًا وحرًا للمساعدات الإنسانيّة من أجل المواطنين، وألّا تمنع وصولها بشكلٍ تعسفيّ. علاوةً على ذلك، تُلزم القوانين القوّة المحتلّة بتمكين سير حياة المواطنين تحت سيطرتها. بالمحصّلة، على إسرائيل أن تسمع بمرور الموادّ والبضائع اللازمة لإعادة إعمار القطاع، كما اللازمة للحاجات المدنيّة الكثيرة الأخرى، مثل مادة الفيبرغلاس لإصلاح قوارب الصيد، أو موادّ كيماويّة مستخدمة لتطهير المياه. الخطوات التي تُتخذ لمواجهة التهديدات الأمنيّة يجب أن تكون معقولة وتناسبيّة مع الخطر المحتمل، وعليها أن تتوازن مع واجبات إسرائيل تجاه سكّان غزّة الذين يعيشون تحت سيطرتها. التقييدات التي تفرضها إسرائيل على البضائع التي تسمّيها “ثنائيّة الاستخدام” لا تفي بكل هذه الواجبات.
تقع على السلطة الفلسطينيّة مسؤوليّة حماية حقوق أهالي غزّة في المجالات القليلة التي تسيطر عليها. مثلًا، باعتبارها المسؤولة عن العلاقات مع المجتمع الدوليّ وإدارة منظومة إعادة إعمار غزّة من الجانب الفلسطينيّ، يُفترض أن تبذل السلطة كافة جهودها من أجل توفير الدعم والبضائع للقطاع. وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الفعليّة في غزّة التي ترأسها حركة حماس. على السلطتين أن تفعلا كل ما تستطعن من أجل التنسيق ومنع عرقلة إعادة الإعمار. مع أخذ سيطرة حماس على أنظمة المراقبة في غزّة بعين الاعتبار، فعليها أيضًا أن تمنع السرقات أو تسرب البضائع، وحماية أمن السكّان.
أمّا مصر، الجارة الثانية لقطاع غزّة، فهي لا تتحمل مسؤوليّات تجاه الفلسطينيين بموجب قوانين الاحتلال. مع هذا، وفي ظلّ الإغلاق الإسرائيليّ، فإن حقيقة كونها مجاورة للقطاع تفرض عليها واجبات معيّنة، ومن ضمنها واجب تمكين دخول الموادّ الإنسانيّة.
أي البضائع تدخل من مصر، ولماذا تُقيّد كميّتها؟
في شباط 2018، فتحت مصر بوّابة صلاح الدين بجوار معبر رفح على حدود غزّة-مصر. تُدار البوابة من قبل شركات خاصّة من كلا الجانبين، تحت رقابة الجيش المصريّ وسلطات حماس في القطاع. يبدو أن إسرائيل تحظى بقوّة تأثير معيّنة على البضائع التي تسمح مصر بإدخالها عبر البوّابة، مع هذا تدخل من مصر بعض البضائع المعرّفة من قبل إسرائيل “ثنائيّة الاستخدام”، لا سيما الأسمنت وبعض المعدّات الالكترونيّة.
هذه البوّابة باتجاه واحد: يمكن من خلالها دخول البضائع من مصر إلى غزّة (إلا في حالة استثنائيّة حيث صدر تصريح مؤخرًا لإخراج الخردة المعدنيّة من غزّة إلى مصر) وبكميّات محدودة. كميّات وأنواع البضائع التي تدخل عبر صلاح الدين توسّعت قليلًا عبر السنوات. في الشهور الأربعة الأولى من 2021، 40 بالمئة من الاسمنت الذي دخل إلى قطاع غزّة وصل عبر بوّابة صلاح الدين، مقابل 17 بالمئة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2019. مع هذا، فإن كميّة البضائع التي تدخل من مصر لا تزال أصغر بكثير من الكميّة التي تدخل من إسرائيل. سكّان غزّة يعتمدون بالأساس على معبر كرم أبو سالم، والذي تدخل منه معظم البضائع إلى القطاع.
حتى الآن، اتخذت مصر موقفًا يسمح بالحركة لأهداف إنسانيّة لكنّه لا يسمح بتشغيل مستمر للمعبر أكثر مما تشترطه اتفاقيّة المعابر، والتي وُقعت بين إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة في 2005 وجُمِّدت بعد سيطرة حماس على القطاع في 2007. منذ تعطّلت الاتفاقيّة، تشغّل مصر معبر رفح وبوّابة صلاح الدين أيضًا في حالات عينيّة، إلى أن تكون العودة للعمل بالاتفاقيّة ممكنة.
حتّى وإن عمل معبر رفح وبوّابة صلاح الدين بكامل الطاقة التشغيليّة، فلا يمكنهما أن يلبيا حاجات أهالي غزّة الذي يعيشون تحت إغلاق إسرائيليّ (جويّ وبريّ وبحريّ)، كما أن تشغيل المعابر لا يعفي إسرائيل من واجباتها تجاه غزّة كقوّة محتلّة. بوابة صلاح الدين ليست جاهزة، حتى الآن، لتشكّل معبرًا تجاريًا كاملًا؛ كما أن المعبر لا يخدم المنظّمات الإنسانيّة الدوليّة، ولا التجارة العاديّة، باستثناء الشركات التي تشغّله. الأهم من هذا كلّه هو أن البوّابة لا تربط غزّة بأسواقها المركزيّة في الضفّة الغربيّة وإسرائيل.
انعدام الشفافية
أوضحت ليلى برهوم من منظمة أوكسفام، التي بحثت الآلية في عملها السابق في المنظمة كمسؤولة عن السياسات والحملات في الأراضي المحتلة، أن من الصعب الحصول على معلومات واضحة. "هناك ثلاثة جهات رئيسية تتدخل وتؤثر على مسار دخول المواد ثنائية الاستخدام الضرورية للإعمار والترميم بدرجات متفاوتة: الجانب الإسرائيلي، والجانب الفلسطيني، وطواقم الإشراف والمراقبة التابعة للأمم المتحدة. ليس من السهل الحصول على المعلومات من أي منها بشكل مباشر، لكن من الممكن ملاحظة تأثير تدخل كل منها على عمل المقاولين والمواطنين والمؤسسات ذات الصلة".
ما هو المسار “العادي” لدخول البضائع “ثنائيّة الاستخدام” من إسرائيل؟
إن المسار المدعو هنا “المسار ثنائيّ الاستخدام العادي” هو القناة التي بواسطتها ينسّق التجّار والمقاولون الفلسطينيّون دخول الموادّ ثنائيّة الاستخدام للقطاع، خارج آلية “إعادة الإعمار” (توسّع بشأن الآلية في الأسئلة 7-10). بحسب التعليمات الإسرائيليّة بشأن دخول البضائع إلى غزّة، يتمّ تقرير قبول طلبات دخول المواد ثنائيّة الاستخدام بالاعتماد على اعتبارات متعلّقة بنوع الموادّ المطلوب إدخالها، هويّة من يريد إدخالها والمستخدم الأخير لها والغاية منها. شروط تقديم الطلب تختلف بحسب نوعيّة البضائع المطلوب إدخالها، وبحسب هذه الشروط يتم تقرير الجهات الحكوميّة الإسرائيليّة التي يجب أن تصادق على الطلب. لا يُفترض أن تستغرق معالجة الطلب أكثر من 45 يوم عملٍ منذ تقديم الطلب إلا أنه عمليًا قد يستغرق شهورًا طويلة، وأحيانًا سنوات (للتفاصيل عن إجراءات تقديم الطلب، يُنظر تقرير “التجارة في ظلّ التعتيم“). يطلب التجّار والمقاولون موادّ ثنائيّة الاستخدام باسم المنتجين، أو باسم تنظيمات دوليّة ومحليّة تنفّذ مشاريع في غزّة. وكان “المسار ثنائيّ الاستخدام العادي” المسار الوحيد الذي يُمكن بواسطته إدخال البضائع التي تعرّفها إسرائيل ثنائيّة الاستخدام إلى القطاع الخاصّ، إلى أن أُقيمت منظومة إعادة الإعمار.
ما هي طرق التنسيق المعتمدة بين إسرائيل والمنظّمات الدوليّة؟
بعض المنظّمات الفلسطينيّة والدوليّة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، برنامج الأمم المتّحدة للتطوير (UNDP)، ووكالة غوث اللاجئين (UNRWA) ، تواصل التنسيق مباشرةً مع منسّق عمليّات الحكومة لإدخال متطلّبات المشاريع التي يديرونها، ولا يخضعون لمنظومة إعادة الإعمار (يُنظر السؤال 7). تعتمد هذه القنوات الثنائيّة على اتفاقيّات بين الأطراف حول مراقبة الموادّ والجداول الزمنيّة، ويتضمّن جزء منها شروط رقابة وتحكّم صارمة أكثر من تلك التي تُمليها منظومة إعادة الإعمار، وهي شروط لا تبقي مساحة لرقابة من قبل جهة ثالثة مستقلّة.
تختصّ "شركة سليم لصناعة الإسفنج والفرشات" منذ تأسيسها قبل 50 عامًا بإنتاج الوسائد والفرشات عالية الجودة، يشمل الفرشات الطبيّة. كانت تخرج من المصنع في العام 2006، قبل الإغلاق، ثلاث شاحنات تحمل منتجاته لبيعها في الضفّة الغربيّة وإسرائيل يوميًا. تسببت التقييدات الإسرائيليّة الجارفة على حركة البضائع من وإلى غزّة بأضرار كبيرة للإنتاج والربحيّة.
ما هي “منظومة إعادة إعمار غزّة” وكيف تعمل؟
منظومة إعادة الإعمار، أو (Gaza Reconstruction Mechanism – GRM)، أُقيمت إثر اتفاقيّة توصّلت إليها السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل بوساطة وإشراف الأمم المتّحدة، على ضوء الدمار الواسع الذي شهدته غزّة إثر القصف الإسرائيليّة في صيف 2014.
طلبت إسرائيل بناء منظومة، كان يُفترض أن تكون مؤقتة، كشرط لدخول موادّ البناء الحيويّة لإعادة إعمار الحياة المدنيّة في القطاع، بما يمنع توجيه الموادّ إلى استخدامات أخرى. قبيل إقامة المنظومة، اعتمد القطاع الخاص على “المسار العاديّ” (يُنظر السؤال 5)، إنما على أرض الواقع فقد مُنع دخول موادّ البناء لقطاع غزّة بالعادة، عدا في فترات محددة جدًا سمحت فيها إسرائيل دخول الموادّ لمشاريع منظّمات دوليّة.
تم التخطيط للمنظومة لتعمل فترةً قصيرة، خاصةً من أجل تنسيق القطاع الخاص والمنظّمات الدوليّة لدخول الحصى والاسمنت والحديد بكميّات كبيرة، إضافة إلى موادّ أخرى ثنائيّة الاستخدام. إلا أنّ المنظومة، ومع مرور الوقت، تحوّلت الى أداة مركزيّة (من حيث الكميّة) لدخول الموادّ ثنائيّة الاستخدام إلى القطاع، وتسيطر ليس على دخول الموادّ لغرض إعادة الإعمار فقط، إنما لمشاريع البناء عمومًا، وعلى كل مشروع، بمواعيد محددة لبدء وإنهاء العمل. كما ذُكر في السؤال الأول، خلال السنوات توقّفت إسرائيل عن التعامل مع الحصى والاسمنت من أنواع معيّنة وقضبان الحديد كموادّ ثنائيّة الاستخدام، وتدخل هذه الموادّ إلى غزّة اليوم من خارج إطار المنظومة. مع ذلك، تتطلّب أعمال البناء موادّ كثيرة أخرى لا زالت معرّفة من قبل إسرائيل على أنها ثنائيّة الاستخدام، ولذلك لا زالت المنظومة تؤثّر بشكل مباشر على إمكانيّة تطوير البناء في غزّة.
لا زالت منظومة إعادة الإعمار مستخدمة للمشاريع فقط، ولا يمكن إدخال الموادّ ثنائيّة الاستخدام الحيويّة للحاجات الجارية، مثل الموادّ الخام المطلوبة لعمل المصانع، أو قطع الغيار للأجهزة الطبيّة في المستشفيات. دخول هذه الموادّ إلى القطاع يجب أن تُنسّق بالمسار “العاديّ” أو بتنسيق ثنائيّ، لكنّها فعليًا تكاد ولا تتاح بتاتًا.
كيف تعمل المنظومة؟
صُممت منظومة إعادة الإعمار كي تُراقب جهات تابعة للأمم المتّحدة كل مراحل إجراءات البناء، بادعاء أن مهمتها التأكد أن تصل المواد إلى الجهة التي يُفترض أن تستخدمهم فقط. في المنظومة ثلاث قنوات، ولكل واحدة منها إجراءات مراقبة مختلفة: (1) البناء السكنيّ، (2) المزوّدين، و-(3) المشاريع الكبيرة. في القنوات الثلاث، تُقدّم الطلبات إلى وزارة الشؤون المدنيّة في السلطة الفلسطينيّة، والتي تفحصها وتصادق على المشاريع والمقاولين والمزوّدين ثم تنقل الطلب إلى مديرية الارتباط والتنسيق لدى مكتب منسّق عمليّات الحكومة الاسرائيلية.
بعد عدوان 2014، أجرت وكالات الأمم المتّحدة تقديرات واسعة للأضرار التي نجمت عن القتال في غزّة، وبناءً على هذه التقديرات أصدروا قسائم لمن تضرّرت بيوتهم. تمكّن الناس من شراء مواد البناء لإصلاح بيوتهم باستخدام هذه القسائم فقط. اليوم، وبعد أن باتت المواد الأساسيّة (الحصى، الحديد والنوع الشائع من الأسمنت) تدخل من خارج المنظومة، قلّ تعامل السكّان مع المنظومة.
كل مزوّد للمواد ثنائيّة الاستخدام، أو المقاول المسؤول عن المشروع الذي يتطلّب هذا النوع من المواد، عليه أن يقدّم طلبًا ليُشمل في منظومة الإعمار (للسلطة الفلسطينيّة ولإسرائيل). على المزوّدين والمقاولين أن يستوفوا عدّة متطلّبات تقنيّة عند تقديم الطلب وبعده. مثلًا، عليهم أن يلتزموا بأن يخزّنوا المواد في مكانٍ مخصّص، آمن ومراقب.
يُطلب من مقاولو المشاريع الكبيرة أن يقدّموا برنامجًا مفصّلًا يشرح الغاية من المواد المطلوبة وما هي الكميّات المطلوبة. تفحص الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة ومديرية الارتباط البرنامج بدقّة كما مواقع البناء. تفحص إسرائيل وتصادق، أو ترفض، كل مادّة بشكل منفصل (الحديث عن آلاف المواد في كل مشروع أحيانًا). إجراء المراقبة من قبل إسرائيل يدمج عدّة سلطات ووزارات إسرائيليّة معيّنة ويطلب موافقتهم في عدّة مراحل خلال تنفيذ المشروع. في كل مرحلة يُعطى تصريح لدخول المواد المخصّصة لهذه المرحلة فقط.
المواد التي يُصرّح بها تدخل إلى غزّة عبر معبر كرم أبو سالم. يجري مراقبون محليّون من قبل الأمم المتّحدة زيارات مفاجئة في موقع المشروع ويديرون سجلًا للخروقات أو الأمور غير المنتظمة في استخدام وتخزين المواد. يزوّد المراقبون هذه المعلومات في قاعدة معلومات محوسبة للمنظومة، وهي متاحة لإسرائيل وللسلطة الفلسطينيّة. إذا أعاد مراقبو الأمم المتّحدة فحص الأمر مجددًا ووصلوا إلى استنتاج أن الخرق قد تمّت معالجته، يزودون قاعدة البيانات بتحديث للمعلومات. تستطيع إسرائيل أن تُقصي مزوّدين ومقاولين من المنظومة على أساس المعلومات الوارقة في قاعدة البيانات، حتى لو كانت المعلومات قديمة ومن الممكن أنه تمت معالجتها. نظريًا، تستطيع السلطة الفلسطينيّة أن تُقصي مزوّدين من المنظومة إلا أنها لم تفعل ذلك سابقًا.
أقصت إسرائيل مئات الأشخاص من المنظومة منذ أُقيمت، وأعيد جزء منهم فقط. تنعدم الشفافيّة تجاه أسباب قرارات الاقصاء، أو تجاه الإجراءات التي يمكنه اتخاذها من أجل العودة إلى المنظومة. يمكن الاستئناف على قرار الاقصاء من خلال الشؤون المدنيّة في السلطة الفلسطينيّة، والتي تنقل الالتماسات إلى مديرية الارتباط. المقاولون والمزوّدون الذين تُرفض التماساتهم، يُمكنهم مبدئيًا أن يلتمسوا للمحكمة الإسرائيليّة من خلال محامين إسرائيليين. يستغرق هذا الاجراء وقتًا طويلًا ومنوط بتكاليف باهظة. تبيّن من خلال بعض الملفات القضائيّة التي عالجتها “ﭽيشاة-مسلك” أن جزءًا تم إقصاؤهم بسبب صغائر أو بسبب سوء تفاهم، وقد تكبدوا إثر ذلك خسائر فادحة.
لا مجال للخطأ
يقول مهندس فلسطيني فضل عدم الكشف عن اسمه، "بعد ست سنوات من اعتمادها، أثبتت آلية إعادة الإعمار لجميع الأطراف أنها آلية عقيمة". حسب رأيه، أضرت آلية إعادة الأعمار بالاقتصاد والحركة التجارية في قطاع غزة. "لم يستطيع المواطن البسيط الحصول على الاسمنت لترميم بيته. خلقت الآلية سوقًا سوداء وهمّشت السوق الحر. صبغت الآلية أيضًا عمل شركات المقاولات بصبغة أمنيّة، حيث تراقَب مستودعات مواد البناء بالكاميرات على مدار الساعة كما لو كانت ثكنات عسكرية".
هل منظومة إعادة الإعمار فعّالة بتحقيق أهدافها؟
الإجابة على هذه السؤال تتعلّق بموقف من يُجيب بشأن الحاجة لوسائل مراقبة مشددة إلى هذا الحد على كل أنواع المواد هذه، والتي لا يُعرّف معظمها كثنائي الاستخدام في أي مكان آخر في العالم سوى إسرائيل، وأيضًا الموقف من شرعيّة هذه المراقبة. رغم السيطرة المستمرة والشاملة على قطاع غزّة، ترفض إسرائيل أن تعترف بمسؤوليّتها تجاه القطاع وواجب الحفاظ على رفاه سكّانه.
يذكر مؤيّدو منظومة إعادة الإعمار أنّها أتاحت دخول أكثر من 3 ملايين طنًا من مواد البناء، والتي ربما لم تكن لتدخل إلى القطاع من دون هذه المنظومة بسبب التقييدات التي سبقت إقامتها. من 11 ألف وحدة سكنيّة هُدمت تمامًا خلال الحرب في عام 2014، أعيد بناء نحو 10 آلاف وحدة، وترميم أكثر من 100 ألف وحدة سكنيّة أخرى تضرّرت. كذلك، فإن بعض مشاريع البنى التحتيّة المدنيّة في غزّة، مثل إقامة محطّات تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحيّ، اكتملت بنجاح ضمن هذه المنظومة.
يذكر منتقدو منظومة إعادة الإعمار أنّها، ورغم أنها تأسست نظريًا باتفاقٍ بين الأطراف، إلا أنّها تعبّر عن علاقة القوّة والفجوات الهائلة بينهم. في نهاية المطاف، إسرائيل تتخذ القرارات: لا يدخل أي شيء دون تصريح منها أو خارج الأطر الزمنيّة التي تحدّدها.
علاوة على ذلك، وكما في مجالات أخرى تسيطر عليها إسرائيل في غزّة، توظّف إسرائيل سيطرتها في المنظومة كأداة ضغط، تهديد، وعقاب. تُعطي المنظومة إسرائيل كمًا هائلًا من المعلومات حول الناس، مكان سكنهم وأعمالهم. تقرر إسرائيل، والسلطة الفلسطينيّة بدرجة أقل، من يستطيع البناء وما الذي سيُبنى وأين وبأي إيقاع. يمكنها أن تستغل سيطرتها على دخول مواد البناء من أجل الضغط على الأفراد والمنظّمات، ويُفيد بحثنا في “ﭽيشاة-مسلك” أنها تستغل هذه السيطرة بشكلٍ متواصل.
تتأسس سياسة إسرائيل بما يتعلّق بالمواد ثنائيّة الاستخدام ومنظومة إعادة الإعمار في غزّة، وهي واحدة من أذرع هذه السياسة، على تعريف فضفاض للتهديد الأمنيّ، وتميل بشكل واضح إلى الحفاظ على المصالح الأمنيّة كما تعرّفها إسرائيل دون أخذ مصالح واحتياجات سكّان غزّة بعين الاعتبار.
المواد التي تعرّفها إسرائيل على أنها ثنائيّة الاستخدام ضروريّة ليس فقط لعيش حياة يوميّة كريمة، إنما أيضًا من أجل الصناعة والإنتاج وعمل جهاز الصحّة والبنى التحتيّة المدنيّة الحيويّة. التقييدات التي تفرضها إسرائيل على وصول هذه المواد إلى سكّان غزّة تؤثّر بشكلٍ مباشرٍ وخطير على الحالة الإنسانيّة في القطاع. فهي تمنع، مثلًا، إعادة إعمار وتطوير شبكة المياه والصرف الصحيّ أو المستشفيات، المدارس، والبيوت الخاصّة. على المدى البعيد، تمنع التقييدات التطوّر الاقتصاديّ وتؤثّر سلبًا على عمل القطاع الخاص. بحسب تحليل نشرته لجنة التجارة التابعة للأمم المتّحدة (UNCTAD)، فإن التسهيلات على وصول المواد ثنائيّة الاستخدام تمكّن نموًا بنسبة 11 بالمئة في الناتج المحليّ الإجمالي في غزّة، وبنسبة 6 بالمئة في الضفّة الغربيّة حتّى العام 2025.
التقييدات التي تفرضها إسرائيل على البضائع ثنائيّة الاستخدام، والتي ثُبتت ضمن منظومة إعادة الإعمار ومنظومات التنسيق الأخرى، لا تساهم في البناء. بل أنّها أيضًا تؤخّر وتؤدّي لرفع أسعار المباني للمجتمع المحليّ ومتبرّعي المجتمع الدوليّ، وذلك في ظرفٍ فيه الموارد جد محدودة. من أبرز الأمثلة على ذلك مشروع محطّة معالجة الصرف الصحيّ في شمال القطاع (North Gaza Emergency Sewage Treatment Project). بحسب البنك الدوليّ، تأخّر المشروع أربع سنوات على الأقل نتيجة انتظار التصاريح الإسرائيليّة في مراحل مختلفة من البناء، وبإضافة 1.6 مليون دولار لتكلفة المشروع.
ترفض السلطات الإسرائيليّة، تماطل، وأحيانا تتجاهل طلبات إدخال المواد المطلوبة لإنهاء المشاريع، وذلك في منظومة إعادة الإعمار وفي المسار العاديّ على حدٍ سواء. تؤدّي هذه الضبابيّة طبعًا إلى غلاء إعادة الإعمار والبناء عمومًا، وتشجّع تطوّر سوق سوداء. كذلك، يفيد المقاولون في قطاع غزّة أنهم يفضّلون ألّا يعملوا مع منظومة إعادة الإعمار بتاتًا، إن كان بإمكانهم الامتناع عن ذلك، وأن يشتروا فقط ما هو متوفّر داخل القطاع. هناك منظمات دوليّة تفضّل أن تعمل بالمسارات المباشرة مع السلطات الإسرائيليّة، وذلك باعتبار أن العمل في هذه المسارات أنجع (يُنظر السؤال 6).
هل تتغيّر منظومة إعادة إعمار غزّة؟
تُموّل منظومة إعادة الإعمار من متبرّعي المجتمع الدوليّ. الدول المانحة هي المانيا، هولندا، النرويج، استراليا، وكانت بريطانيا ضمن الدول المانحة إلى أن أوقفت التمويل مؤخرًا إثر تقليصات في ميزانيّة المساعدات الخارجيّة، لكنّها لا تزال منخرطة كعضو رسميّ في لجنة المنظومة. وكالات الأمم المتّحدة والدول المانحة يتناقشون منذ سنوات حول إصلاح المنظومة. تسارعت هذه النقاشات إثر جولة القتال في أيار 2021، خاصًة في ظل التعنّت الإسرائيليّ للسيطرة الوثيقة على دخول البضائع إلى القطاع.
بما أن مواد البناء الأساسيّة – الاسمنت العاديّ، الحديد والحصى- لم تعد تتطلّب تنسيقًا خاصًا، تُخاض اليوم نقاشات حول مستقبل منظومة إعادة الإعمار. واحدة من الإمكانيّات المطروحة هي توسيع صلاحيّات المنظومة لتشمل المواد ثنائيّة الاستخدام بشكلٍ عام، وليس فقط تلك المخصصة لمشاريع ذات جدول زمنيّ محدد مسبقًا. في هذه الحالة، يكون الهدف تسهيل دخول مواد حيويّة لا تدخل إلى غزّة حتّى يومنا هذا، أو تدخل فيما ندر، مثل الفيبرغلاس لإصلاح قوارب الصيد. إلى جانب ذلك، هناك محاولة مستمرّة لتنجيع هذه المنظومة وجعلها أكثر شفافيةً وتحديد إجراءات أكثر تناسقًا وسلاسةً لتنسيق دخول المواد.
هل التقييدات على البضائع ثنائيّة الاستخدام ضروريّة للحفاظ على أمن إسرائيل؟
إسرائيل ملزمة بالموازنة بين الحاجات المدنيّة في قطاع غزّة وبين الخطوات التي تتخذها من أجل حماية أمن مواطنيها. مواجهة تحديات أمنيّة لا تبرّر توجّه “صفر مجازفة”، والذي يظهر من خلال التقييدات الجارفة التي تفرضها اسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. لا يوازن هذا التوجّه بالشكل الملائم بين حاجات المواطنين في غزّة وإسرائيل. لدى إسرائيل أدوات تكنولوجيّة متقدّمة غايتها حماية السكّان من التهديدات الأمنيّة التي قد يؤدي إليها دخول مواد معيّنة إلى غزّة. على ضوء ذلك، التقييدات الشديدة على دخول المواد الحيويّة هي تقييدات غير تناسبيّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخطورة المترتبة عن هذه المواد، وتُفرض هذه التقييدات بشكل ينتهك الحقوق الأساسيّة لأهالي غزة.
لا مكان في العالم يؤدّي فيه سلب الحقوق، وتراجع الأوضاع الإنسانيّة نتيجة له، إلى استقرار أو أمن. جهات كثيرة داخل حكومات إسرائيل والجهاز الأمنيّ قالوا ذلك مرارًا، لكنّهم يطبّقون سياسة معاكسة.
أضف إلى ذلك، لا يُمكن الفصل بين تقييدات الحركة التي تفرضها إسرائيل على القطاع منذ 2007 وبين أهدافها السياسيّة والديمغرافيّة (يُنظر تقرير: المنطقة G: من الفصل إلى الضم). طوال سنوات، تواصل إسرائيل توسيع وتضييق حريّة الحركة من وإلى قطاع غزّة – ليس ردًا على تهديدات أمنيّة محددة وعينيّة، إنما بهدف أن يشعر أهالي غزّة بالمعاناة كوسيلة للضغط السياسيّ، وهو ما يشكّل عقوبة جماعيّة ممنوعة. مثال آخر لسياسة العقوبات الجماعيّة نجده في الإغلاق المتكرر لمساحات الصيد أو تقليصها على الأقل، كأحد وسائل العقاب الجماعيّ الكثيرة التي تتخذها إسرائيل “ردًا” على التصعيد، دون علاقة لأي تهديد أمنيّ.