
يمشي عوني عبد المنعم أبو نحل في الطرقات والزواريب الغزية، يرى ويتفكر ملياً في حال الشعب الذي يعاني من الاحتلال، والفقر والحاجة، ليقرر أن يقف مؤازراً لهم وداعما بعلمه وعمله كطبيب مختص في أمراض المخ والأعصاب، فيعالجهم في منزله البسيط وبلا مقابل.
فنظرة الدكتور أبو نحل لمهنة الطب تتخطى كل الحواجز المادية والنفسية، فهو يرى في نفسه إنساناً أولاً، ثم فلسطينياً واجب عليه تقديم المساعدة لأبناء شعبه دون مقابل، قائلا:" النفس أمارة بالسوء، ولكن يجب أن نكون أقوياء، فشعبنا قدم الكثير من الدماء من أجل القدس، وأنا خادم بسيط لهذا الشعب، وأجري فقط على الله".
ومع شروق الشمس في كل يوم يعاهد أبو نحل نفسه ، بأن يكون وفيا لهذا الشعب، وألا يبخل عليه بعلمه وخبرته في مجال الطب، وليبقى منزله محتضناً كل المحتاجين والفقراء غير القادرين على دفع المال مقابل علاجهم، مضيفا:" أخجل من نفسي بأن أطلب مالا وكشفية من شعب يعاني ويلات الاحتلال والحصار والفقر".
درس أبو نحل مهنة الثراء في جامعة روسية، ويعمل بالمهنة منذ22 عاماً، كان الثراء الخيار المغري والأيسر، لكنه صمم على تقديم خبرته وعلاجه لشعبه بالمجان، مكتفيا بالراتب الذي تدفعه إليه السلطة الوطنية الفلسطينية كموظف لديها.
يقول أبو نحل لمراسل "الحياة الجديدة": أهلا وسهلا بأي مريض يحتاج لمساعدة، فليتوجه إلى منزلي في أي وقت، فتخصصي مرتبط بكافة أمراض الشلل الدماغي والجلطات والتصلب والصرع والأوجاع، والغضاريف، وجميعها تخص طب الأعصاب، وقد وهبت علمي لله لأن شعبنا يستحق منا كل التضحيات".
ومرض الأعصاب من الأمراض المزمنة فالمريض لا تكفيه زيارة واحدة للطبيب، وقد تصل متابعات بعضهم لسنوات، ما يتطلب مبالغ مالية طائلة وعليه يعلق أبو نحل: "بعض المرضى لا يستطيعون الوصول لعيادتي، وأكون سعيدا بأن أذهب إلى منازلهم وأقدم لهم الاستشارة الطبية والعلاج مجانا".
لم يكن أبو نحل ليبقى على صلابة قراره إلا بوجود زوجته الداعمة والمعينة، فهي تستقبل المرضى في غرفة الضيوف، وتقدم لهم الضيافة مما هو متوفر، ولا تجزع ولا تغضب وتشجعني على مساعدة أي شخص يحتاج لمساعدة.
الراتب فيه بركة
ويتطرق أبو نحل لصعوبة الحياة في قطاع غزة، وغلاء المعيشة، ولكنه يدرك بأن الراتب الذي يتقاضاه من الحكومة الفلسطينية يضع الله فيه البركة، ويمكنه من العيش والإنفاق على أبنائه في الجامعات والمدارس، قائلا:" لا أملك أي دخل آخر، وعيادتي في منزلي مفتوحة مجانا لأبناء شعبي".
ويقوم أبو نحل بتنظيم أيام طبية مجانية مع إخوانه في حركة فتح بمنطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة، قائلا:" أي شخص وفي أي منطقة يستطيع أن يجمع الحالات في يوم معين، سأكون سعيداً بأن أتوجه إليهم وعلاجهم مجانا".
ما قدمه شعبنا للعالم أكثر بكثير مما أعطيه إياه
ويتحدث أبو نحل عن محبة المواطنين له قائلا: "عندما أدخل السوق، لا أخرج منه إلا بعد خمس ساعات متواصلة، بسبب ترحيب الناس بي ومطالبة بعضهم بتقديم استشارات طبية له".
يقضي أبو نحل كل أموره بهاتف خلوي بسيط لا يتعدى ثمنه الـ20 شيقلا، ويقول:" أحيانا لا أستطيع دفع فاتورة جوالي، ولكن ربنا هو من يسترنا، وأنا راض بقسمتي، وسعيد جدا ومرتاح لما أنا فيه من محبة الناس لي".
ذلك الغصن من تلك الشجرة
عبد المنعم أبو نحل هو المعلم الأول لولده الطبيب فهو من علمه بأن معنى فدائي هو من يخدم شعبه بكل ما أوتي من قوة وعلم، قائلا: "سنبقى خادمين لهذه الشعب، ورسالتي لإخوتي الأطباء، بأن الوضع في فلسطين صعب، وقد يكون هناك بعض المشاكل في صرف الرواتب، ولكن عليكم أن تراعوا شؤون المرضى من أبناء شعبنا، فالمريض يحتاج أن نقف لجانبه، وأن الشفاء ليس دفع الكشفية، وإنما هناك مصاريف أخرى يدفعها المريض من علاج وأدوية، وعليه يجب أن نكون معول بناء وليس معول هدم لهذا الشعب المرابط".
التجارة مع الله دوماً فائزة
وختم أبو نحل قائلا:" من يتاجر مع ربه فلن يخسر أبداً، فشعبنا يحتاج للتضامن الاجتماعي، فكيف لنا أن نأخذ منه أموالا، فهذا من وجهة نظري ظلم، وأنا وهبت نفسي لله، ويوميا أقوم بعلاج من ثلاث إلى عشر حالات مجانا".