يشهد قطاع غزّة انتشاراً متصاعداً لمحطّات الوقود، مع توجّه المستثمرين المحلّيّين إلى الاستثمار في هذا القطاع، في ظلّ حالة التدهور التي أصابت معظم القطاعات الصناعيّة والتجاريّة والإنشائيّة، بسبب الحصار الإسرائيليّ المستمرّ والحروب الإسرائيليّة المتكرّرة على غزّة.
قبل أيّار/مايو 2014، كانت هناك 19 محطّة وقود في مدينة غزّة، لكنّ عددها اليوم أصبح 40 محطّة، فيما هناك 300 محطّة وقود في قطاع غزّة، وفق ما قال رئيس مجلس إدارة جمعيّة أصحاب شركات البترول والغاز في قطاع غزّة محمود الشوّا، خلال حديثه إلى "المونيتور".
وإلى حد قريب ومنذ وقت طويل، كانت معظم محطات الوقود بغزة بدائية، إذ كانت مسقوفة بالصفيح، وتحتوي على ماكينات تعبئة قديمة، ولا تتضمن أي مرافق أخرى كما لا تقدم أي خدمات إلى جانب تعبئة الوقود.
لكنّ توجّه أموال المستثمرين المحلّيّين إلى هذا القطاع خلق منافسة كبيرة في إنشاء محطّات أكثر تطوّراً وجاذبيّة من حيث المعمار والخدمات، إذ اتّخذت هذه المحطّات أنماطاً إنشائيّة جذّابة واحتوت على ماكينات تعبئة رقميّة متطوّرة، ومرافق أخرى مثل محلّات بيع زيوت السيّارات وتشحيمها وغسيلها.
واتّجه جهاد النجّار، وهو رجل أعمال من مدينة غزّة، قبل نحو شهرين إلى الاستثمار في قطاع الوقود، بعد سحب أمواله من قطاع صناعة المثلّجات في غزّة الذي يشهد خسارة متراكمة بسبب استمرار أزمة التيّار الكهربائيّ.
ويقول النجّار الذي ينشئ حاليّاً محطّة وقود جديدة في القرب من الشريط الساحليّ في غرب مدينة غزّة، لـ"المونيتور": "إنّ قطاع الوقود من أفضل القطاعات التي يمكن الاستثمار فيها، لكون الوقود سلعة أساسيّة لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الذي يبتعد فيه المواطنون عن شراء السلع الكماليّة بسبب تغلغل الفقر والبطالة في المجتمع".
وأضاف: "كما أنّ الوقود لا يتأثّر بالأزمات الحياتيّة في غزّة، مثل انقطاع التيّار الكهربائيّ، ولا يوجد له تاريخ صلاحية محدّد".
واتّجه عبد الله محيسن (49 عاماً)، وهو أحد أصحاب رؤوس الأموال في غزّة، أخيراً، إلى الاستثمار في قطاع الوقود بعد تخلّيه عن الاستثمار في قطاع الإنشاءات والعقارات.
وقال محيسن لـ"المونيتور": "أصبح الاستثمار في قطاع العقارات بطيئاً ولا يحقّق ربحاً جيّداً، إذ بات من النادر العثور على مشترٍ يمتلك ثمن العقار كاملاً، من دون الحاجة إلى تقسيطه في شكل طويل الأمد، وهذا ما يجعل أموالنا مجمّدة إلى حين سداد الأقساط، وهو ما يتطلّب الانتظار لأعوام طويلة".
وأضاف: "ولكن ما يميّز الوقود أنّه سلعة لا يمكن شراؤها بالدين أو التقسيط، وهذا يجنّبنا مسألة تجميد أموالنا في الأسواق". وتابع محيسن حديثه: "صحيح أنّ ازدياد أعداد المحطّات قلّل من نسبة أرباحها، إلّا أنّ قليلاً دائماً خير من كثير منقطع".
في مشهد غير مألوف، وضعت مجموعة شركات "أبناء لبيب الحلو" للبترول في قطاع غزّة، سيّارة حديثة من نوع "فيات باندا 2015"، على مدخل محطّتها الجديدة التي أنشأتها قبل ثلاثة أشهر في شارع الوحدة في وسط مدينة غزّة، ضمن مسابقة تتضمّن السحب على 12 سيّارة من ذات الطراز، بهدف تشجيع السائقين على تعبئة مركباتهم بالوقود من المحطّة للدخول في سحب الفوز بهذه السيّارة.
وقال مدير مجموعة شركات "أبناء لبيب الحلو" التي تعمل في هذا المجال منذ عام 2004، ولديها ثلاث محطّات في مدينة غزّة، محمّد بكير لـ"المونيتور": "إنّ انتشار المحطّات الجديدة قلّل من أعداد زبائننا، لذا قرّرنا وضع هذه المسابقة في إطار المنافسة على جذب أكبر قدر ممكن من الزبائن".
وأوضح أنّ إنشاء محطّة وقود جديدة يكلّف باهظاً، إذ يبلغ ثمن شراء أرض تبلغ مساحتها دونماً في مكان حيويّ وسط غزّة نحو نصف مليون دولار، فيما يبلغ متوسّط تكلفة إنشاء المحطّة على هذه الأرض نحو 300 ألف دولار.
بالنسبة إلى رئيس مجلس إدارة جمعيّة أصحاب شركات البترول والغاز الشوّا، فقد استهجن بشدّة استمرار إنشاء المزيد من محطّات الوقود، وقال: "هذه فوضى كبيرة، إذ أصبح هناك ازدحام كبير لهذه المحطّات، وباتت توجد ثلاث محطّات وقود في مساحة لا تتجاوز نحو النصف كيلومتر مربّع فقط. والمفترض أن تبتعد كلّ محطّة عن الأخرى نحو كيلومتر واحد على الأقلّ".
وأضاف: "على الرغم من ازدحام محطّات الوقود، إلّا أنّ السلطات المحلّيّة (حماس) تفتح باب منح التراخيص لإنشاء المزيد من محطّات الوقود واسعاً، من أجل جني أموال التراخيص لمواجهة الأزمة الماليّة التي تعاني منها، من دون الأخذ في الاعتبار حاجة السوق إلى المزيد من هذه المحطّات".
وأشار الشوّا إلى أنّ ثمن ترخيص محطّة الوقود الواحدة يبلغ نحو 30 ألف دولار، تعود لصالح خزينة وزارة الماليّة في غزّة.
وانتقد أمين سر اللجنة المركزيّة للأبنية وتنظيم المدن في وزارة الحكم المحلّيّ (الجبهة المخوّلة إصدار تراخيص لإنشاء محطّات الوقود) خالد عيّاش منح التراخيص إلى المحطّات الجديدة، وقال لـ"المونيتور": "صحيح أنّنا الجهة التي تصدر التراخيص، ولكنّنا نتّبع أوامر الهيئة العامّة للبترول التابعة إلى وزارة الماليّة في غزّة".
وأضاف: "إنّ غزّة في حاجة إلى إغلاق نصف عدد محطّات الوقود القائمة اليوم، وعلى الرغم من ذلك، إنّ الهيئة العامّة البترول في غزّة لا تريد وقف منح التراخيص لإنشاء المزيد من هذه المحطّات".
وكانت الإدارة العامّة للبترول في وزارة الماليّة والتخطيط في الضفّة الغربيّة وجّهت في 13 شباط/فبراير الماضي، كتاباً إلى الهيئة العامّة للبترول في غزّة تطالبها فيها بإغلاق باب منح التراخيص لإنشاء محطّات وقود جديدة في غزّة حتّى إشعار آخر، وحصر المحطّات كافّة التي حصلت على تراخيص خلال الستّة أشهر السابقة، وعدم تزويدها بالوقود سواء بطريقة مباشرة أم غير ذلك حتّى صدور قرار آخر.
إلّا أنّ الهيئة العامّة للبترول في غزّة لم تتعامل مع هذا الطلب، وتواصل ترخيص المزيد من المحطّات الجديدة.
وقال مصدر مطّلع داخل الهيئة لـ"المونيتور"، رفض ذكر اسمه: "إنّ رفض الهيئة العامّة للبترول في غزّة وقف ترخيص محطّات الوقود، يعود إلى أنّ العديد من أولئك المستثمرين ينتمون إلى حماس ويعملون على تشغيل أموال حماس في السوق المحلّيّ لجني الأموال".
ويبدو أنّ الانقسام الواضح في مواقف وزارتي الحكم المحلي والمالية بغزة، إزاء ترخيص المزيد من محطّات الوقود، يدلّل على وجود تعارض كبير للمصالح بينهما، يكمن بين الحاجة إلى جني المزيد من أموال التراخيص لمواجهة الأزمة الماليّة التي تواجه حماس، والالتزام بالمحافظة على تنظيم المدينة وعدم تحوّلها الى فوضى محطّات الوقود.