أعلن محافظ سلطة النقد الفلسطينيّة عزّام الشوّا في بيان نشرته وكالة "وفا" الفلسطينيّة بـ24 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، عن اتفاق جرى بين سلطة النقد والبنك المركزيّ الإسرائيليّ يقضي باتباع آليّة جديدة لتسهيل المعاملات المصرفيّة الفلسطينيّة مع البنوك الإسرائيليّة.
وتقضي هذه الآليّة بإنشاء هيئة حكوميّة إسرائيليّة تحت إشراف البنك المركزيّ الإسرائيليّ، تكون بديلة في التعامل مع البنوك الفلسطينيّة عن البنكين الإسرائيليّين "ديسكونت" و"هبوعليم".
في ظل عدم وجود عملة وطنية فلسطينية، تعتمد العمليات الاقتصادية الفلسطينية بشكل أساسي على العملة الإسرائيلية (الشيكل)، كما يُستخدم الدولار الأمريكي والدينار الأردني. وبحسب برتوكول باريس حول العلاقات التجارية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عام 1994، فإن إسرائيل هي المسؤولة عن تقديم الخدمات المصرفية الفلسطينية، وهو ما يتم من خلال هاذين البنكين الإسرائيليين اللذين يلعبا دور الوسيط في نقل الأموال الفلسطينية بين الأراضي الفلسطينية والعالم من خلال التحويلات المصرفية الخاصة بالبنوك الفلسطينية.
وذكر بيان سلطة النقد أنّ الآليّة الجديدة تهدف إلى "تسهيل إجراءات تبادل الشيكات والحوالات بين الطرفين"، وهو ما سيعود بالفائدة لصالح قطاع التجّار ومستوردي البضائع من الخارج والعمّال الفلسطينيّين العاملين في إسرائيل، في الوقت الذي تفرض فيه البنوك الإسرائيليّة قيوداً على التحويلات المصرفيّة الفلسطينيّة، تتضمن تأخير إجراء التحويلة المصرفية أو رفضها، مع ضرورة تقديم تفاصيل واضحة حول طبيعة استخدام هذه الأموال وتحديد الجهة المستقبلة لها.
وقال مصدر رفيع المستوى في سلطة النقد الفلسطينيّة، رفض ذكر اسمه، لـ"المونيتور": "إنّ البنكين الإسرائيليّين يفرضان قيوداً على بعض فروع البنوك في فلسطين التي تقبل عن غير دراية أو قصد بإجراء تحويلات مصرفيّة من الأراضي الفلسطينيّة إلى العالم والعكس، يكون الغاية منها غسيل الأموال أو تمويل حركات المقاومة الفلسطينيّة مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي".
وأوضح المصدر أنّ القيود التي يفرضها البنكان الإسرائيليّان على التحويلات المصرفيّة الفلسطينيّة تشمل تأخير التحويلة المصرفيّة أو رفض التعامل معها.
ولكن المشكلة في هذه القيود، بحسب المصدر، أنّها لم تقتصر على التحويلات المشبوهة فقط، بل تطال التحويلات الماليّة السليمة الخاصّة بقطاع التجّار في الأراضي الفلسطينيّة والعمّال الفلسطينيّين في إسرائيل لصالح تجارتهم وأعمالهم.
وأشار إلى أنّ البنكين الإسرائيلييّن يشدّدان في فرض قيودهما على كلّ التحويلات المصرفيّة الفلسطينيّة إن كانت مشبوهة أم سليمة، خوفاً من التعرّض لأيّ دعاوى قضائّية في إسرائيل أو الخارج، بتهمة المساهمة في نقل أموال من وإلى حركات المقاومة الفلسطينيّة.
وكان البنكان قد طالبا الحكومة الإسرائيليّة في فبراير 2016 بإنهاء تعاملهما مع التحويلات المصرفيّة الخاصّة بالبنوك الفلسطينيّة، ونوها إلى المخاطر التي تنطوي عليها عمليات التعامل مع هذه التحويلات، والمتعلقة بمواجهة الدعاوى المتعلقة بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال سواء في إسرائيل أو خارجها. لكنّ الحكومة الإسرائيليّة قرّرت في كانون الثاني/يناير من عام 2017 منح البنكين حصانة من التعرّض لمثل هذه الدعاوى القضائيّة حتّى مطلع عام 2019.
والجدير بالذكر أنّ البنك العربيّ، وهو أحد أكبر البنوك الأردنيّة العاملة في الأراضي الفلسطينيّة، كان قد تعرّض في آب/أغسطس من عام 2014، لدعاوى قضائيّة في محكمة بروكلين الاتحادية في نيويورك تقدّم بها 300 أمريكياً من ضحايا وأقرباء ضحايا عمليّات عسكريّة نفّذتها حركات المقاومة الفلسطينية وأبرزها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بين عاميّ 2001-2004، بتهمة تقديم خدمات مصرفيّة إلى هذه الحركات، ما يعتبر انتهاكاً لقانون مكافحة الإرهاب الأمريكي الذي يسمح لضحايا المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة أنها منظمات إرهابية بطلب تعويضات.
في 22 سبتمبر 2014، دانت المحكمة الأمريكية البنك العربي بتهمة تمويله حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين تعتبرا منظمتين إرهابيتين بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيما استأنف البنك على قرار الإدانة في محكمة الاستئناف الامريكية في مانهاتن التي حكمت في 9 فبراير 2018، بإلغاء قرار إدانة البنك بعد توصله لتسويات غير معلنة مع المدعين شريطة سحب الدعاوى القضائية.
وأوضح المصدر في سلطة النقد أنّ من شأن الآليّة الجديدة، التي سيبدأ تطبيقها مع مطلع العام المقبل، إنهاء التزام هذين البنكين بالتعامل مع التحويلات المصرفيّة الفلسطينيّة، ومنح هذه المسؤوليّة لهيئة حكوميّة إسرائيليّة.
وقال مدير تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" المحليّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ الآليّة الجديدة تعتبر إيجابيّة بالنسبة إلى القطاعات التجاريّة والعماليّة الفلسطينيّة، إذ أنّها ستسهّل إتمام التحويلات المصرفيّة السليمة في أسرع وقت ومن دون قيود".
وأوضح محمّد أبو جياب أنّ التجّار الفلسطينيّين كانوا، وبسبب هذه القيود، يواجهون معاناة كبيرة في نقل أموالهم من وإلى قطاع غزّة والضفّة الغربيّة والعالم، إذ تخضع تحويلاتهم المصرفيّة لإجراءات أمنية احترازية ضيقة متّبعة من قبل البنكين الإسرائيلييّن، والتي تقتضي وجود مسوّغ لأي عملية نقل، وتتطلّب إلحاق طلب إجراء التحويلة المصرفيّة بالفواتير الضريبيّة والوثائق التي تحدّد الجهة المستقبلة لها، الأمر الذي يعرّض بعض التحويلات إلى التأخير أو الرفض.
ولفت إلى أنّ الآليّة الجديدة ستعمل على تحييد الحوالات المصرفيّة الخاصّة بالتجّار والعمّال الفلسطينيّين في إسرائيل، عن سياسة التحوّط الأمنيّ، الأمر الذي يعني تسهيل إجرائها في وقت أسرع، وهذا سيصبّ في صالح الاقتصاد الفلسطينيّ.
وتعد العمالة الفلسطينية في إسرائيل، مؤثراً مهماً في الاقتصاد الفلسطينيّ، فبحسب آخر إحصائيّة نشرها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في 7 آب/أغسطس من عام 2018، يبلغ عدد العاملين الفلسطينيّين في إسرائيل ومستوطناتها بالضفّة الغربيّة 125.600 ألف عامل.
وأشار أبو جياب إلى أنّ الآليّة الجديدة تقع ضمن سياسة إسرائيل بمنع انهيار الاقتصاد الفلسطينيّ لتخفيف العداء الفلسطينيّ تجاهها، من خلال تشغيل العمّال الفلسطينيّين وتسهيل معاملاتهم المصرفيّة والتجاريّة.
وفي المقابل، عبّرت حركة "حماس" عن غضبها إزاء هذه الآليّة الجديدة لإدارة النظام المصرفيّ في الأراضي الفلسطينيّة، إذ دان القياديّ في الحركة عبد الحكيم حنيني في تصريح نشره موقع "فلسطين أون لاين" بـ25 تشرين الأوّل/أكتوبر، هذه الآليّة، ووصفها بأنّها "طعنة في ظهر الشعب الفلسطينيّ"، وقال: إنّ هذا الاتفاق من شأنه "أن يزيد الحصار المفروض على شعبنا الفلسطينيّ (..) وهو التفاف على (يحارب) كلّ محاولات الخيّرين من أبناء شعبنا وأمّتنا في تقديم يدّ العون (الدعم) إلى أهلنا في فلسطين"، بحسب ما ذكره الموقع.
وقال رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ والنائب عن كتلة "حماس" البرلمانيّة عاطف عدوان في حديث لـ"المونيتور": "إنّ هذا الاتفاق يصبّ في إطار مساعي السلطة الفلسطينيّة إلى تجفيف كلّ منابع الأموال التي تصل إلى قطاع غزّة، خارج إشراف السلطة الفلسطينيّة".
أضاف: "انتقال مسؤوليّة التعامل مع التحويلات المصرفيّة الفلسطينيّة من البنوك الإسرائيليّة إلى هيئة حكوميّة إسرائيليّة، ربّما سيُحيّد التحويلات الماليّة التجاريّة الخاصّة بالتجّار عن القيود الإسرائيليّة المفروضة على النظام المصرفيّ الفلسطينيّ، ولكن في الوقت ذاته سيعمل على تشديد هذه القيود على التحويلات الماليّة التي تصل إلى غزّة من المؤسّسات الخيريّة من مختلف دول العالم لأغراض إغاثيّة للسكّان".
وكانت الحكومة الفلسطينيّة عبّرت في بيان صادر عنها في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر عن رفضها إدخال أيّ مساعدات إلى قطاع غزّة من دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، باعتبار أنّ استمرار دخول الأموال إليه سيعزّز من حكم "حماس" وسيعمّق الانقسام الفلسطينيّ.