
اضطر المواطن أحمد موسى للتوجه إلى أحد تجار العملة، لتغيير مبلغ مالي ادخره خلال عدة أشهر من الشيكل إلى عملة الدينار الأردني، ليدفع رسوم الجامعة له ولزوجته "دراسات عليا"، نظراً لأن الجامعات في قطاع غزة لا تقبل الدفع إلا بالدينار. كما أن المواطن موسى اضطر قبل نحو العام، لتحويل مبالغ مالية لعملة الدولار الأميركي، من أجل إتمام شراء سيارة جديدة من أحد المعارض المنتشرة في قطاع غزة، اذ تباع السيارات الحديثة مقابل الدولار الأميركي.
لكل عملة دورها
ويقول موسى: إن قطاع غزة مركز لتداول العديد من أنواع العملات، فكل نوع يصلح لشراء سلعة معينة، فإذا أراد النزول للسوق وشراء بعض الحاجيات له ولأسرته، يأخذ معه الشيكل، فهو العملة الوحيدة القابلة للتداول في الأسواق، أما إذا أراد أن يشتري سيارة كما حدث معه، فعليه الدفع بالدولار، فأصحاب معارض السيارات لا يقبلون غيرها.
وبين موسى أن صديقه كان يدخر مبلغاً مالياً بالدولار، وعند إتمام خطبته من فتاة، اضطر لتحويل الأموال لعملة الدينار، وهي العملة الدارجة لدفع مهور الزواج بحسب العادات والتقاليد المعمول بها منذ عقود طويلة في قطاع غزة، ولا يصح كتابة المهر في عقد الزواج بغير الدينار.
وهو ما أكده الشاب مصطفى خالد، الذي أتم زواجه قبل فترة، فهو الآخر اضطر لتحويل بضعة آلاف من الدولارات إلى عملة الدينار الأردني، كي يتمكن من دفع مهر خطيبته، في حين حول مبلغا آخر إلى الشيكل لإتمام باقي مصاريف الزواج، من حجز صالة، وشراء كمية من اللحوم لعقد وليمة.
مشقة وخسائر
وأشار خالد إلى أنه وخلال دفع تكاليف الزواج كان يضطر كل فترة لإجراء تحويل من عملة لأخرى، فهناك أمور لا تتم إلا بعملة الشيكل، وأخرى بالدينار، وثالثة بالدولار، وهذا أمر مرهق ويلحق به بعض الخسائر، فالتحويل من عملة لأخرى ينقص من المبلغ، لأن تاجر العملة يأخذ مقابلاً على ذلك.
فيما أكد المواطن أيمن حمدان، أنه توجه لشراء خاروفين لذبحهما وإقامة وليمة بمناسبة حصول ابنه على درجة الماجستير، ففوجئ برفض التجار قبول أي عملة أخرى دون الدينار، فالتعامل داخل أسواق المواشي يتم فقط بهذه العملة، ما اضطره لتحويل ما كان لديه من عملة الشيكل إلى الدينار الأردني، لدفع ثمن الخاروفين، ما عرضه لخسارة وصلت إلى 60 شيكلاً.
بينما يقول المواطن يوسف عيد، إنه يفضل ادخار الأموال بعملة الدولار، فهي عملة قوية تحفظ قيمتها، ومن أجل ذلك يقوم بتحويل ما يريد ادخاره من عملة الشيكل إلى الدولار، وحين تمكن من ادخار مبلغ جيد قرر شراء قطعة أرض، فكان لزاماً عليه أن يعيد تحويل المبلغ المذكور إلى الدينار الأردني مجدداً، حتى يتمكن من دفع ثمن الأرض.
وأوضح أنه وبعد شراء الأرض رغب بتشجيرها ووضع سور شبكي عليها، وهذا تطلب عملية تحويل ثالثة، لما تبقى لديه من عملة الدينار إلى الشيكل.
واعتبر كل من عيد وحمدان أن التعامل بأكثر من عملة في قطاع غزة أمر مرهق للمواطنين، وحتى لأصحاب السلعة المراد شراؤها، فالمواطن مطالب بتحويل ما لديه من مال من عملة لأخرى وفق عادات تحكمه لشراء ما يرغب، وصاحب السلعة عليه أن ينتظر عملية التحويل.
الجنيه فرض نفسه
وإلى جانب العملات الثلاث المذكورة، فرض الجنيه المصري نفسه كعملة رابعة للتداول، خاصة بعد العام 2008، علماً بأنه كان العملة الوحيدة للتداول في قطاع غزة قبل العام 1967.
ومع شيوع ما يعرف بظاهرة أنفاق التهريب، وجلب السلع من خلالها، كان يضطر التجار لتحويل أموالهم لعملة الجنيه من أجل إتمام عمليات الشراء من نظرائهم المصريين.
وقال المواطن محمد يونس وعمل سابقاً في الأنفاق، كانت عملتا الدولار والجنيه فقط القابلتين للتعامل في مصر، وكثيراً ما كان يأخذ التجار معهم الجنيه المصري لدفع ثمن بضاعة، فهو أيسر لهم، لذلك أصبحت هذه العملة متداولة في القطاع، خاصة في مدينة رفح، التي تقع على الحدود المصرية.
ورغم إغلاق الأنفاق، إلا أن عملة الجنيه مازالت قابلة للتداول في قطاع غزة، خاصة قرب معبر رفح، اذ يحرص المسافرون على اصطحاب مئات الجنيهات المصرية معهم، لدفع رسوم اجتياز المعبر المصري، وأجرة الحافلة، وكذلك أجرة سيارات التي ستقلهم إلى المدن المصرية.
وثمة تجار عملة يتواجدون خارج المعبر طوال فترات عمله، لاستبدال العملات المختلفة بالجنيه، ويحاولون لفت انتباه المسافرين بضرورة التحويل قبل الدخول إلى المعبر، لأن الصرف في الداخل سعره أقل بكثير.
باب رزق
في حين اعتبر تاجر العملة محمد صالح أن التعامل في قطاع غزة بعدة عملات، فتح باب رزق للكثير من تجار العملة، فكل عملية شراء تجبر المشتري على تحويل المال الذي لديه إلى العملة التي تصلح لإتمام عملية الشراء.
وأكد صالح أن كل عملية تحويل تعود على تاجر العملة بفائدة، فمثلا تحويل كل عشرين دينار إلى الشيكل أو العكس يحصل بائع العملة على مبلغ ما بين 1-2 شيكل، ومثلهما في تحويل الدولار، وهذا يجعل الصرافين يجدون قوتهم، موضحاً أنه لولا ذلك لما استطاعوا العيش.
أسباب الظاهرة
وأرجع الخبير الاقتصادي والمحاضر في كليات الاقتصاد بعدد من جامعات غزة، الدكتور عبد الله أبو الهنود، أسباب تعدد النقد في الأراضي الفلسطينية لظروف الاحتلال، حيث كان النقد المتداول في فلسطين حتى النكبة الجنية الفلسطيني، وبعد النكبة تم حل مجلس النقد الفلسطيني، ووقف إصدار الجنية الفلسطيني، ومع ضم الضفة للأردن تم استخدام الدينار الأردني في العام 1949، كما تم استخدام الجنيه في غزة بعد ضمها للحكم المصري، وبعد عام 1967 واحتلال الضفة وغزة فرضت إسرائيل عملتها عنوة على الفلسطينيين.
وأوضح أبو الهنود أنه وبعد قدوم السلطة الفلسطينية وإنشاء سلطة النقد، التي سمح لها بالقيام بجميع مهام البنك المركزي ما عدا إصدار العملة، فكان الهدف الرئيسي لسلطة النقد هو إقامة جهاز مصرفي سليم، فمنحت التراخيص للبنوك حتى وصل عددها في نهاية العام 2006 إلى 22 مصرفاً بشبكة فروع بلغت 142 فرعاً، كان نصيب قطاع غزة منها 39 فرعاً.
وأكد أبو الهنود أن تداول العملات الأجنبية في الاقتصاد الفلسطيني، وغياب النقد الوطني يحرم سلطة النقد، وبالتالي السلطة الفلسطينية من عوائد طبع النقود، فالدولة تقوم بمبادلة عملتها مقابل العملات الأجنبية المختلفة، التي يتم استثمارها في الأسواق العالمية وتحقيق عوائد عليها، كما قد تقوم الحكومة أحيانا بتمويل نشاطاتها المختلفة وعجز الموازنة عن طريق طبع النقود (أو ما يسمى بالتمويل بالعجز).
وأوضح أبو الهنود أن البنك المركزي الأردني وبنك إسرائيل حققا عوائد كبيرة من طلب المناطق الفلسطينية على النقود الخاصة بالبنكين.
ونوه إلى أن استخدام العملات الأجنبية في التداول يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لسياسات أسعار الصرف المتبعة في الأردن وإسرائيل، فالتجارة الفلسطينية تكون عرضة لسياسات أسعار الصرف الإسرائيلية والأردنية، كما تؤثر هذه السياسات على معدلات التضخم (ما يسمى بالتضخم المستورد).
كما أن استخدام العملات الأجنبية في التداول في فلسطين أدى إلى تسمية السلع المختلفة بالعملات المختلفة، ما أدى إلى إتاحة المجال أمام تذبذبات العملات المتداولة للعب أدوار قد تكون مهمة في تحديد الأسعار النسبية للسلع المختلفة، وبالتالي لتغيير هيكل الحوافز في الأسواق، الأمر الذي بدوره يؤدي إلى أن تستجيب الوحدات الاقتصادية لهذه التغيرات غير الحقيقية، والنتيجة هو سوء في تخصيص المصادر الاقتصادية نتيجة للاستجابة لإشارات غير حقيقية في الأسواق.
وبين أن الحصار الإسرائيلي النقدي لقطاع غزة، ووقف البنوك الإسرائيلية التعامل مع البنوك في قطاع غزة، أدى إلى وجود أزمة سيولة في القطاع، قد تتكرر في كل لحظة تريد فيها إسرائيل حصار الشعب الفلسطيني.