
عندما يجود بها البحر في مواسم بعينها، يمر عليها الكثيرون دون أن يلقو لها بالاً، لكن ثمة من يجد بها طريقاً خصباً لصقل موهبة، أو حتى فرصة عمل تعـ ـينه على تجاوز مصـ ـاعب الحياة اليومية، إنها أصداف البحر الغزي.
الشاب أحمد المدهون يطوع تلك الأصداف كما يهوى ويقوم بصناعة قطع ولوحات فنية متعددة الأنواع والأشكال باستخدام مجموعة من الصّدف يجمعها ويصنعها بـشغف وحب في ورشته المتواضعة ، وهي عبارة عن طاولة صغيرة داخل منزله في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، تتناثر عليها العديد من قطع الصّدف (يطلق عليها الغزّيون: الزلف) مختلفة الأحجام والأشكال والألوان، قام بجمعها من شاطئ بحر قطاع غزة.
والفنان المدهون (30 عاماً) متزوج وأب لطفل وطفلة، يقول بأنه مغرم بجمع الصدف، وتنظيفها وترتيبها، وإعادة تدويرها للاستفادة منها ، ويتفنن في خطوات صنعه للمجسمات الفنية، وتحويلها من قطع صدف صماء ، إلى لوحات تنطق بالجمال، لتجذب وتسر كل من ينظر اليها ، وتُظهر ابداعه في تنسيقها.
وتتنوع القطع المصنوعة بعناية وحب بين الشخصيات، الحيوانات، الطيور، المجسمات الفنية، السفن، المراكب، البراويز، الإكسسوارات بمختلف أحجامها، وغيرها من القطع والتي تختلف حسب الموضوع والشخصية التي يرغب بطرحها.
حكاية الفنان المدهون والذي درس الإذاعة والتلفزيون في كلية فلسطين، مع الزلف بدأت مصادفة، حين ُأُُعجب بعدد من قطع الصدف التي قذفها البحر خلال زياراته المتكررة لبحر مدينة غزة، مما دفعه إلى تجميعها على مراحل، ووضعها في صندوق داخل منزله لفترة من الزمن دون الاستفادة منها.
حيث يؤكد المدهون أن شغفه بتجميع القطع لم يتوقف، فقام بالبحث والاستقصاء عن الصدف بسؤال أحد الأصدقاء عن الوقت الذي يلفظ به البحر مختلف أحجام وأشكال قطع الصّدف؛ فأخبره أن الوقت المناسب هو فصل الشتاء، موضحاً أنه قام بالفعل بزيارة البحر في الوقت المحدد، وقام بتجميع عدد لا بأس به من القطع الجميلة والمميزة.
ويبين أن القطع التي جمعها قبل عدة سنوات، بقيت حبيسة ورهينة صندوق في البيت، نتيجة انشغاله في عمله الذي لا علاقة له بموهبته، إلى أن قرر قبل عام ونصف فتح الصندوق، واستغلال القطع التي أعجبته والتي اختارها بعناية لصنع قطع ومجسمات فنية.
ويضيف المدهون: “بدأت بتجميع القطع والمجسمات الفنية داخل بيتي، وتحويلها إلى قطع فنية ملفتة ، حيث صنعت حينها مجسماً لشخص يحمل سيفاً، ومن ثم فرقة موسيقية يحمل كل واحد من أعضائها آلة مختلفة”، موضحاً أنه اصطحب بعض القطع إلى مكتبه حيث يعمل، حيث لاقت إعجاب أصدقائه، الذين قاموا بالثناء عليه، وطلب قطع مشابهة.
ليؤكد أن تشجيع من حوله وتحديداً زملاءه في العمل، دفعه إلى تصميم وصناعة المزيد من القطع، فاتجه إلى تجسيد الأشجار، والحيوانات، والطيور – وتحديداً البوم – إلى جانب بعض الأدوات الأخرى، مثل البراويز، وبئر المياه المصنوعة من الحصى، والقواقع، والإكسسوارات، من دون الالتفات إلى ترويج مصنوعاته على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، على اعتبار أنه يتخذ من صنعها هواية، بعيداً عن فكرة التجارة.
ويوضح أن اتقلص أنواع وأحجام الصّدف يشكل له عائقاً أمام حرية تصنيع الأشكال؛ إذ يحتاج كل شكل إلى أحجام مختلفة، لكنه يتغلب على ذلك، ببذل المزيد من الجهد لإيجاد القطع المطلوبة، مضيفاً: “تابعت عدداً من المواقع لتطوير موهبتي، والاطلاع على المزيد من الخطوط والفنون لصنع أشكال فنية أكثر تميزاً”.
وعن تفاصيل عمل أي مجسم فني، يقول المدهون: “حين تخطر على بالي فكرة أو مجسم معين، أقوم برسمه على الورق، ومن ثم انتقاء القطع والأحجام المناسبة لتطبيق الفكرة على أرض الواقع”، مشيراً إلى أنه يحاول صنع المجسم مراراً حتى يصل إلى الشكل المطلوب، ذلك أنّ القطع أحياناً تحتاج إلى صقل، أو تغيير، لأنها لا تكون مناسبة تماماً، فيضطر إلى إعادة العمل على المجسّم من جديد.
أما في ما يتعلق بالأدوات المستخدمة في العمل، فيوضح: “الصدف، ومسدس سيليكون – مادة لاصقة لزجة – وقطع خشبية صغيرة، ومقدح لثقب بعض القطع، ولاصق”، إلى جانب بعض الألوان الخفيفة التي يتم فيها تطعيم العمل، لإبراز جماليات القطع، كأن يضع عيناً لوجه الشخصية، أو لوناً لسيف بيدها.
ويختتم الفنان المدهون حديثه بأنه سيستمر بصناعة المقطوعات الفنية التي يحب، وسيزين بها جمع زوايا منزله، ناثرا إبداعه وشغفه بكل ركن في المنزل، وسيروج لاحقا لموهبته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.