
بعد عشرات السنين من السطوع، غابت شمس الازدهار والعز عن أهم الشوارع التجارية في قطاع غزة وأشهرها على الإطلاق خلال القرن الماضي ومطلع القرن الحالي. إنه شارع فهمي بيك التجاري الذي يتوسط مدينة غزة ويربط معالمها وشوارعها برغم قصر طوله وتواضع عرضه.
سنوات عجاف قلبت حياة الشارع رأساً على عقب وجعلته شارعاً عادياً خالياً معظم نهاره من المتنقلين والمرتادين، بعد أن كان قبلة وواجهة محببة لكل زائر للمدينة سواء من داخل القطاع وخارجه.
ونال سوء الأوضاع الاقتصادية والتغيرات على بنية المدينة من الشارع وأجبرته على الاستسلام والنزول عن عرش الشوارع التجارية المهمة لصالح شوارع ومربعات وأسواق "مولات" أخرى.
ولم يعد أصحاب المحال في الشارع يفكرون سوى بالرحيل إلى مكان آخر بعد أن أرهقتهم تكلفة بدل استئجار المحال التي تتراوح ما بين 5 آلاف و30 ألف دينار للمحل الواحد في العام، كما يقول الستيني إيهاب شبلاق صاحب محل لبيع المكسرات.
ولم يعد الشارع قبلة التجار والزائرين والمشترين كما كان طيلة الثمانين عاماً الأخيرة، كما يتحدث تجاره ممّن يمتلكون محالّ تجارية منذ عشرات السنين، والذين يتذكرون بأسى ومرارة سنوات الازدهار والانتعاش في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كما يقول شبلاق والذي اشتكى من الانخفاض الحاد في القوة الشرائية نتيجة انخفاض المترددين على الشارع الذي يربط مدينة غزة بالبلدات والأحياء المجاورة رغم أن طوله لا يتجاوز المائتي متر.
وقدّر شبلاق الذي ورث المحل عن والده في منتصف الثمانينيات الانخفاض في المبيعات مقارنة مع سنوات ما قبل العام 2010 بأكثر من 80 في المئة.
ويضم الشارع عشرات المحال التجارية المتنوعة، بالإضافة إلى العيادات الطبية لأشهر الأطباء في القطاع.
وعزا شبلاق تراجع دور وأهمية الشارع إلى عاملين أساسين، هما الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالقطاع، بالإضافة إلى إقدام البلدية على نقل موقف سيارات المحافظات الجنوبية من منطقة الساحة المجاورة للشارع إلى مكان بعيد في العام 2009.
وقال شبلاق: إن الشارع لم يعد قبلة لسكان القطاع، بعد أن كان وجهة شبه إجبارية محببة لكل المتنقلين والزائرين لمدينة غزة، سواء من الداخل أو الخارج، بسبب التنوع الكبير في المحال التجارية، واحتوائه على أفضل المطاعم ومحال الحلوى وغيرها من المحالات التجارية، فضلاً عن كونه يربط بين أهم شارعين في مدينة غزة وهما شارعا عمر المختار من الناحية الجنوبية، وشارع الوحدة من الجهة الشمالية، إضافة إلى مجاورته وقربه بشكل تام من أهم المعالم المتعددة في قطاع غزة وأبرزها، أسواق الزاوية وفراس وسوق القيسارية للذهب وكذلك المسجد العمري الكبير.
ويستذكر أحمد العيسوي صاحب محل لبيع المرطبات الشارع قبل أربعين عاماً، عندما كانت الحركة لا تهدأ ليلاً ونهاراً، بعكس ما هي عليه الآن والتي تتوقف بشكل تام مع غروب الشمس.
وقارن العيسوي بين الحركة الشرائية الآن والتي تمثلت بتواجد زبون واحد في محله، وبين سنوات ما قبل العام 2000 حينما كان يشتكي من عدم قدرة محله على استيعاب الزبائن والمقبلين على شراء و تناول المرطبات.
وأوضح العيسوي لـ"الأيام" أن تراجع الحركة الشرائية وغياب الزحمة التي كان يشتهر بها الشارع، الذي لا يتجاوز عرضه العشرة أمتار، جعلته يفكر بشكل جدي في مغادرة المكان بعد أن أصبح توفير بدل الإيجار أمراً صعباً للغاية بسبب ارتفاع الأسعار.
ولم يكن حال محمد الجاعوني صاحب مطعم في المكان أحسن من بقية أصحاب المحال التجارية، والذي اعتبر الشارع عادياً كأي شارع آخر في المدينة منذ أكثر من 15 عاماً.
وقال الجاعوني ويمتلك المطعم منذ 38 عاماً: "لا وجه للمقارنة بين الحالة التجارية في الشارع الآن وقبل"
وأضاف الجاعوني لـ"الأيام": إن الكثير من المستأجرين في الشارع غادروه وتركوه بسبب ارتفاع تكلفة استئجار المحال وغالبيتها ذات مساحة صغيرة.
وأوضح الجاعوني أن الحركة النشطة النسبية في الشارع لا تتعدى ساعة أو ساعتين في اليوم مقارنة مع أكثر من 12 ساعة بالمتوسط في سنوات التسعينيات والثمانينيات.
أما محمد أبو السعيد صاحب مطعم شعبي صغير فقرّر تسليم المحل إلى صاحبه منتصف العام الجاري بعد تكبد خسائر فادحة طيلة السنوات الثلاث الماضية.
وأحبط ضعف الحركة الشرائية وندرة المترددين على الشارع أبو السعيد الذي دفع خمسة آلاف دينار مقابل استئجار محل لا تتجاوز مساحته عشرة أمتار مربعة في العام الواحد.
وتعود تسمية الشارع بهذا الاسم إلى "فهمي بيك الحسيني" المولود في غزة العام 1886، وانتخب كأول رئيس لبلدية غزة في العام 1928 في عهد الانتداب البريطاني.