
"ماذا عساي أن أفعل في ظل عدم قدرتي على توفير لقمة عيش كريمة لي ولأطفالي الستة، أو حتى لدفع أيٍ من الديون التي تراكمت علي، فالسرقة أو النصب على الآخرين ليس من طبعي، فأنا بحاجة لفرصة عمل شريفة لأعتاش منها وأسرتي كباقي الأسر التي تتلقى رواتب آخر كل شهر".
بهذه الكلمات، بدأ العامل محمود سميح بدرة (35 عاماً) من سكان مدينة غزة، حديثه لـ"الأيام"، وهو يقف ينظر بحسرة من بعيد لطابور الموظفين الذين يقفون في صفوف عدة أمام الصراف الآلي لأحد البنوك المحلية بغزة لتسلم رواتبهم، قائلاً: "أليس من حقي على الحكومة أن توفر لي وظيفة لأعتاش منها، أو حتى تمنحني مخصصات عاطل عن العمل لأطعم أبنائي".
وأضاف بدرة: "في ظل عدم توفر أي فرصة عمل نتيجة إغلاق المعابر بين الحين والآخر، وعدم إدخال الكثير من مواد البناء اللازمة للإعمار، أو الكثير من المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع، سأكون أول من يُقيم خيمة اعتصام أمام معبر بين حانون "إيرز"، حتى وإن كانت داخله وليست خارجه، من أجل إسماع العالم أصواتنا بأننا طبقة مسحوقة ومقهورة ولا تقوي على شيء".
وتابع، "أصبحنا نهيم على وجوهنا في الطرقات والشوارع العامة، نبحث عمَّن يوفر لنا لقمة خبز، حتى وإن كانت غير مغمَّسة بشيء، ولكنها مغمَّسة بذل السؤال وفقر الحال".
وتابع: "حالي هذا هو حال الآلاف من الذين أصبحوا بين عشية وضحاها عاطلين عن العمل، فقوتنا تذهب يومياً سدى دون استغلالها، كما أننا ننظر لمستقبل أبنائنا المجهول، في ظل الانقسام البغيض الذي أتى على كل شيء، فلا زواج ولا بيت مستقل ولا فرصة عمل لهم في الأفق البعيد أو القريب، فربما ذلك يبعث بهم إلى الانحراف غير السوي".
من جهته، أكد المنسق العام لاتحاد اللجان العمالية المستقلة فايز العمري، أن الآلاف من العمال العاطلين عن العمل يهددون بإقامة خيمة اعتصام دائمة على بُعد أمتار قليلة من حاجز بيت حانون "إيرز"، للمطالبة بتوفير فرص عمل كريمة لهم داخل إسرائيل أو في مناطق الضفة الغربية.
وقال العمري لـ"الأيام"، إنه وبالرغم من أن ما يُفكر به المتعطلون عن العمل محفوف بالمخاطر، إلا أنهم رغبوا بعد انقطاع سبل العيش لديهم، في تسليط الضوء على شريحة العمال، من أجل توحيد الحركة النقابية وتفعيلها ليكون لها الدور الريادي في الدفاع عن مصالحها في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة البطالة والفقر في صفوفهم.
وانتقد الإهمال من قبل الحكومة في غزة، والسلطة في الضفة لقضيتهم، وعدم إعطائهم أولوية في الموازنة العامة وغيرها من المشاريع والخطط التنموية التي لم تعالج جدياً مشكلات البطالة والفقر في المجتمع، ولم توفر للعمال الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم والآمن، لتمكنه من الصمود فوق أرضه، بدلاً من الهجرة إلى مصير مجهول.
وأشار العمري إلى أن آلاف الأسر أصبحت مهددة بالضياع، نتيجة سياسات الإفقار الممنهج الذي يتعرض له العمال، مؤكداً أهمية تنظيم مثل هذه الأنشطة لما لها من أثر إيجابي في تقوية الحركة النقابية، وتعزيز الانتماء، والعمل بروح الفريق، وتفعيل دورهم المجتمعي من أجل انتزاع حقوقهم وفق مفاهيم العدالة الاجتماعية.
من جهته، شدد رئيس اتحاد اللجان العمالية المستقلة عبد السميع النجار، على ضرورة حشد كافة الطاقات العمالية حتى تستطيع الدفاع عن مصالحها وقضاياها العادلة، مطالباً الحكومة في رام الله، والقائمين على تسيير الأمور في غزة، بضرورة الالتفات إلى العمال، والعمل من أجل تعزيز صمودهم، من خلال وضعهم ضمن حساباتهم والاطلاع على أوضاعهم المعيشية المتردية.
وأوضح أن فعالية إقامة خيمة اعتصام على حاجز بيت حانون، تأتي لكون العمال وصلوا إلى طريق مسدود، ولإرسال رسالة جماعية للقائمين على تسيير أمور الضفة والقطاع بأنهم أصبحوا لا يجدون قوت يومهم، بل تحوَّل عدد كبير منهم إلى متسولين على أبواب المؤسسات الخيرية والجمعيات الأهلية التي ربما تمنحهم فرصة عمل بدل بطالة لمرة واحدة، ولا تمنحهم غيرها.
واشتكى النجار من عدم استجابة السلطة أو أيٍ من المؤسسات والجمعيات الخيرية مع نداءات العمال بالمطالبة بوضعها ضمن أي أجندات كانت، متسائلاً في الوقت نفسه عن شرعية عملهم من عدمها.