
طالب مشاركون في حلقة نقاش عقدت في مدينة البيرة وغزة قيادة السلطة الفلسطينية بتبني استراتيجية وطنية تتضمن خطة عمل لمواجهة السياسات الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وكان آخرها اقتطاع سلطات الاحتلال رواتب عائلات الشهداء والأسرى والجرحى من أموال عائدات الضرائب التي تجمعها إسرائيل للسلطة الفلسطينية.
ودعا المشاركون السلطة إلى تبني خطة عمل تتضمن إجراءات على المديين القصير والمتوسط لضمان توفير فاتورة الرواتب ومجمل المصاريف التشغيلية للوزارات، من خلال تبني خطة تقشف، وتفعيل شبكة الأمان العربية.
ونظم الحلقة المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات) في مقريه بالبيرة وغزة بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والسياسيين الاقتصاديين والنشطاء، لمناقشة التداعيات السياسية والاقتصادية لاقتطاع مستحقات الشهداء والأسرى.
وقد أدار النقاش في البيرة خليل شاهين، مدير البرامج في مركز مسارات، في حين أداره في غزة عماد أبو رحمة، المستشار في المركز.
وطالب عدد من المشاركين بتحرك شعبي على غرار تحرك الضمان الاجتماعي لمواجهة قرصنة أموال عائلات الشهداء والأسرى، بالتوازي مع تحرك القيادة على صعيد المؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية، وتشجيع الناتج المحلي. كما تعرض البعض لرفض السلطة استلام بقية الأموال الفلسطينية من "إسرائيل"، كونه رد فعل لا يستند إلى استراتيجية لإعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال.
وقال مدير البرامج في "مسارات" بالبيرة خليل شاهين إن الحالة الفلسطينية برمتها تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية في محاولة لإخضاع الفلسطينيين إما للقبول بصفقة القرن بما تتضمنه من بنود تسعى لتصفية للقضية الفلسطينية، أو على الأقل الصمت على تمريرها.
وأضاف "هذا نجد ترجماته في السياسات الإسرائيلية المتمثلة في تعميق الاحتلال والاستيطان والهجمة على مدينة القدس، بالتوزاي مع إجراءات أميركية، كان آخرها ضم القنصلية الأميركية إلى السفارة، ومع عزل وفصل قطاع غزة".
من جهته، حدد مدير عام مركز مسارات هاني المصري ثلاثة سيناريوهات مطروحة للقرار الإسرائيلي حول اقتطاع الأموال: الأول: استمرار خصم الأموال ورفض السلطة استلام الباقي إلى حين إجراء الانتخابات الإسرائيلية، ويتعزز هذا السيناريو، خصوصًا إذا شهدت الضفة الغربية و"إسرائيل" زيادة في عمليات المقاومة، ومؤشرات على مزيد من التصدع في قدرة السلطة على القيام بدورها، وربما انهيار مؤسساتها. وهذا السيناريو ممكن.
وذكر أن "أخر ما تريده إسرائيل فقدان الوكيل الحصري للاحتلال الذي تمثله السلطة، دون إغفال أن إسرائيل تريد تطويع السلطة أكثر بحيث تقبل بأن السقف السياسي لها هو حكم ذاتي تحت السيادة الإسرائيلية وتتخلى عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67".
أما السيناريو الثاني وفق المصري فهو استمرار خصم أموال، خصوصًا إذا نجح بنيامين نتنياهو والليكود وحلفاؤه في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة. وفي هذه الحالة، سيكون نتنياهو متطرفًا أكثر من السابق حتى يحصل على دعم الأحزاب الدينية والمتطرفة، وليس من المستبعد أن تذهب حكومة يمينية متطرفة إلى حد العمل بإجراءات أشد من أجل إحداث تغيير في السلطة الفلسطينية لإيجاد بديل عن الرئيس محمود عباس، مستغلة الرفض الفلسطيني لصفقة ترامب، أو الشروع في تطبيق خطط إسرائيلية أحادية الجانب.
أما الثالث فيقوم على مضي السلطة الفلسطينية في تطبيق قرارات المجلس الوطني، بالتدريج أو مرة واحدة، وهذا يستدعي ردة فعل إسرائيلية حادة، يمكن أن تؤدي إلى انهيار السلطة، وبلورة بديل فلسطيني يتضمن إعلانًا فلسطينيًا بأن دولة فلسطين تحت الاحتلال، والعمل والكفاح لدحر الاحتلال.
وأشار المصري إلى أن مدى إمكانية تحقق كل سيناريو من السيناريوهات مرتبط بعدد من العوامل والمتغيرات أهمها: حسم موضوع خلافة الرئيس عباس في القيادة والسلطة والمنظمة، وطرح أو عدم طرح صفقة ترامب وقدرة الإدارة الأميركية من عدمه على جمع الأموال والاستثمارات اللازمة لتسويقها، إضافة إلى التطورات في المنطقة والإقليم.
وأوضح أن مواجهة القرار الإسرائيلي يمكن أن يشمل وقف التنسيق الأمني، ويجب ألا يقتصر على رفض استلام أموال الضرائب كافة فقط، ويتطلب وضع رؤية شاملة لمواجهة التحديات والمخاطر المتعاظمة التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
وشدد على أن الرؤية تتطلب توفير متطلبات الخروج من حلقة التحكم الإسرائيلي بالآفاق المتاحة أمام قدرة السلطة على القيام بدورها ووظائفها المحددة بموجب اتفاق أوسلو وملاحقه الأمنية والاقتصادية، وهو عملية لم تعد ممكنة دون كسر معادلة التحكم والسيطرة الإسرائيلية من خلال إعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها وموازنتها، لتصبح في خدمة البرنامج الوطني وأداة من أدوات منظمة التحرير الموحدة.
بدوره، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر مازن العجلة إن الفاتورة الشهرية للسلطة تتخطى المليار شيكل، في حين أن الإيرادات المحلية إضافة للمساعدات الخارجية تغطي 51% من حجم الإنفاق المطلوب، فعلى السلطة توفير المبلغ المتبقي لسد العجز الشهري.
وأشار إلى رفض استلام بقية العائدات الضريبية التي يبلغ متوسطها الشهري حوالي 670 مليون شيكل بعد أن كان الحديث موجهًا لتدبير المبلغ الذي تخصمهُ إسرائيل وهو حوالي 41 مليون شيكل.
وأوضح أن الخيارات المتاحة لدى السلطة على المدى القصير للتعامل مع الأزمة تتمثل في تقنين المصاريف وترحيل بعضها، والاقتراض من البنوك، والتعامل مع الرواتب قدر الإمكان بحكمة وبإنصاف، وتفعيل شبكة الأمان العربية.
وأضاف: أنه على السلطة اتباع عدد من السياسات المطلوبة لمواجهة الأزمة، مثل وضع أولويات واضحة على أساس تقييم شامل للاحتياجات الطارئة، وخفض مخصصات الخدمات الاجتماعية، وتجنب إجراء تخفيض هائل في الأجور والاستمرار في تنفيذ تدابير التقشف، وإيقاف التوظيف والترقيات والعلاوات، وتأجيل المشروعات غير الضرورية، وتجميد الأجور في القطاع العام.
وطالب العجلة بتغطية الفجوة بين النفقات والإيرادات، من خلال تفعيل شبكة الأمان العربية، وتوفير المساعدات الخارجية، والاقتراض من البنوك، وإصدار السندات الإذنية التي تصدرها وزارة المالية والتخطيط لتغطية متأخرات السلطة تجاه الدائنين من القطاع الخاص، والحصول على جزء من الأرباح الموزعة من صندوق الاستثمار الفلسطيني، إضافة إلى الحصول على سلفة من سلطة النقد.