
لم يكن هناك مسألة أكثر وضوحاً داخل الساحة العالمية خلال الأسبوع الماضي أكثر من التقلبات الواسعة التي ضربت عملات الاقتصاديات المتقدمة والناشئة.
وتأثرت العملات العالمية الكبرى بشكل قوي خلال الأسبوع المنقضي جراء عوامل عديدة على رأسها مواصلة البنوك المركزية الإفصاح عن موقفها بشأن السياسة النقدية والتي آخرها التحول الجذري نحو اللهجة الحذرة.
كما أن بيانات أخرى مثل التضخم والوضع الاقتصادي ألقت بظلالها هي الأخرى على عملات بعينها إلى جانب التسارع المفاجئ لنمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
وبالتدرج من قمة الهرم، فإن الدولار الأمريكي يعد الرابح الأكبر في الأسبوع الماضي بعد قفزة قوية دفعته لتجسيل أعلى مستوياته في نحو 23 شهراً.
لكن هذه المكاسب القوية لم تدم طويلاً، فسرعان ما انعكس الوضع ليتحول إلى المنطقة الحمراء في أواخر الأسبوع على خلفية بيانات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
ورغم أن البيانات الرسمية أظهرت تسارعاً مفاجئاً في نمو الناتج المحلي الإجمالي بالاقتصاد الأكبر عالمياً خلال أول 3 أشهر من العام لكنها في الوقت نفسه كشفت عن تباطؤ ملحوظ في نمو مؤشر أسعار إنفاق المستهلكين، وهو الأمر الذي تسبب في وقف صعود الورقة الخضراء.
وسجل النمو الاقتصادي بالولايات المتحدة 3.2% خلال الربع الأول من هذا العام مقابل 2.2% المسجلة في الربع الأخير من عام 2018 وهو أعلى بكثير من التوقعات البالغة 2.2% في الاتجاه الصاعد.
ويأتي تركيز المستثمرين على مؤشر نفقات المستهلكين، والذي تباطأ من 1.8% إلى 1.3% في الربع الأول، كونه الأداة المفضلة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم.
وعقب إفصاح الحكومة عن أرقام النمو الاقتصادي في البلاد، أشاد الرئيس الأمريكي بهذا الأداء لكن على الرغم من ذلك طالب مستشار دونالد ترامب بضرورة خفض الفيدرالي لمعدل الفائدة.
ومن المقرر أن يعقد الفيدرالي اجتماع السياسة النقدية يومي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع المقبل، بعد أن أوقف توقعاته بشأن زيادة معدل الفائدة هذا العام.
ومع ذلك، ارتفع مؤشر الدولار الرئيسي والذي يرصد أداء الورقة الأمريكية مقابل 6 عملات رئيسية بأكثر من 0.6% خلال الأسبوع المنقضي لتصل مكاسب العملة منذ بداية العام وحتى الآن إلى 1.91%.
أداء مؤشر الدولار خلال آخر 30 يوماً - (المصدر: وكالة بلومبرج)
لكن على الجهة الأخرى، كانت الخسائر الحادة من نصيب العملة الأوروبية الموحدة والتي تحوم حول أضعف مستوياتها أمام نظيرتها الأمريكية منذ مايو 2017.
وفقد اليورو ما يزيد عن 0.8% من قيمته مقابل الدولار في الأسبوع الماضي، بفعل القلق بشأن قوة اقتصاد منطقة اليورو إلى جانب ترقب الانتخابات العامة في إسبانيا المزمع عقدها في عطلة الأسبوع.
وفي الوقت نفسه، فإن النظرة المستقبلية بالنسبة للعملة التي تجاوزت عامها العشرون مع مطلع عام 2019، مشرقة مع انتهاء ولاية ماريو دراجي رئيساً للمركزي الأوروبي وتولي بديل آخر بغض النظر عن ماهيته.
وبالنسبة للجنيه الإسترليني، فسجل خسائر أسبوعية بنحو 0.6% مقابل الدولار في ظل القلق المتزايد بشأن ركود المحادثات حول عملية مغادرة المملكة المتحدة لعضوية الاتحاد الأوروبي (البريكست).
ومنذ بداية العام وحتى إغلاق جلسة 26 أبريل، فإن خسائر اليورو أمام الدولار بلغت 2.76% لكن العملة البريطانية نجحت في حصد مكاسب أسبوعية بنحو 1.27%.
أداء العملات الرئيسية مقابل الدولار الأمريكي - (المصدر: وكالة بلومبرج)
وتقدم البيزو الأرجنتيني صفوف الخاسرين في الأسواق الناشئة بعدما سجل انخفاضاً بنحو 8.8% في الأسبوع المنصرم على خلفية مشاكل اقتصادية، حيث تسارع التضخم أعلى 50% إضافة إلى التوترات السياسية قبيل انتخابات رئاسية.
ووصلت خسائر عملة الأرجنتين مقابل نظيرتها الأمريكية نحو 18.05% منذ بداية عام 2019 وحتى الآن مع فشل الخط الائتماني في تهدئة مخاوف تعثر ثالث أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية عن سداد ديونه.
ولم تكن الليرة التركية أفضل حالاً، حيث عادت لتداول قرب مستويات لم تشهدها العملة منذ شهر أكتوبر 2018 بعد أن شهدت خسائر أسبوعية بنحو 2%.
وتتزامن الخسائر في قيمة العملة المحلية بالاقتصاد الأكبر بالشرق الأوسط مع شكوك حول مستويات احتياطات النقد الأجنبي لدى تركيا والذي تراجع بنحو 1.4 مليار دولار في أسبوع.
وتأثرت الليرة كذلك سلباً من بيان السياسة النقدية للمركزي التركي والذي أظهر تراجع البنك عن تعهده السابق بشأن تشديد السياسة النقدية عند الضرورة.
وكانت تركيا من بين الدول الثمانية التي حصلت على إعفاء المؤقت من العقوبات الأمريكية لشراء النفط الإيراني، لكن هذه الميزة سيتم إسقاطها في مطلع مايو المقبل، ما يزيد القلق بشأن توتر العلاقة بين واشنطن وأنقرة.
وينتظر المستثمرون مزيدا من الإشارات بشأن التضخم من البنك المركزي التركي عندما يفصح عن تقرير التضخم الفصلي في الأسبوع المقبل.
وبلغت خسائر الليرة التركية منذ بداية العام الحالي وحتى إغلاق تعاملات 26 أبريل، حوالي 10.78% أمام الدولار الأمريكي.
ومسألة إلغاء فقرة متكررة من بيان السياسة النقدية، لم تكن مقتصرة على البنك المركزي في تركيا، ولكن نظيره الكندي أقبل على نفس الخطوة عبر إسقاط فقرة تتعلق بالإشارة لزيادة إضافية في معدل الفائدة شملها كل بيان سياسة نقدية صادر عن البنك المركزي منذ أواخر عام 2017.
واستشهد المركزي الكندي بعوامل مثل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي أو الركود في قطاعي العقارات والنفط كسبب رئيسي في تغيير لهجته.
ودفع بيان السياسة النقدية الصادر مؤخراً العملة المحلية لكندا إلى الهبوط الملحوظ ليصل إجمالي ما فقده الدولار الكندي مقابل نظيره الأمريكي في ذاك الأسبوع لنحو 0.5%.
واتبع البنك المركزي السويدي نفس النهج بالإشارة لتأخير موعد زيادة الفائدة حتى نهاية هذا العام أو بداية 2020 فضلاً عن إعلان برنامج شراء سندات جديدة لمدة 18 شهراً اعتباراً من يوليو المقبل.
وفي أعقاب قرارات السياسة النقدية التي أبقت على معدل الفائدة عند -0.25%، تراجعت الكرونة السويدية لأدنى مستوى منذ أغسطس عام 2002 لتصل خسائر العملة على الصعيد الأسبوعي إلى 2.1%.
وهبطت عملية أستراليا لأدنى مستوى في أربعة أشهر خلال الأسبوع الماضي، عقب بيانات التضخم خلال الربع الأول التي سجلت أضعف قراءة منذ أوائل عام 2016 وسط تلميحات بإمكانية الاتجاه نحو خفض معدل الفائدة البالغ 1.50%.
وسجل الدولار الأسترالي تراجعاً أسبوعياً بأكثر من 1.5% ليتحول للهبوط أمام العملة الأمريكية منذ بداية العام الحالي وحتى الآن بنسبة 0.1%.
وبالنسبة للصورة في بلاد الدب الأبيض، فإن الروبل الروسي شهد خسائر أسبوعية بنحو 1.3%، وذلك مع اعتراف البنك المركزي في البلاد باحتمالية التحول لخفض معدل الفائدة خلال الربعين الثاني والثالث من العام الجاري.
لكن في الواقع، فإن العملة المحلية لروسيا سجلت مكاسب تصل إلى 6.85% خلال أول أربعة أشهر من العام الجاري حتى الآن.
وتوضح مجموعة "آي.إن.جي" الاستثمارية التحول الأخير في السياسة النقدية الحذرة للبنوك المركزية حول العالم، وفقاً للرسم البياني التالي.