
مع تبقي 6 أشهر تقريباً حتى يصبح النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة هو الأطول على الإطلاق، فإن هناك قلقاً متصاعداً بأن الاقتصاد العالمي على نطاق أوسع يسير في مرحلة متأخرة من دورته، ما يجعل الكساد قريباً.
ويعتبر الاقتراب من نهاية الدورة الاقتصادية بمثابة أمر مقبول بالنظر إلى التقييمات العالية للأصول وهوامش الربح المرتفعة للشركات ومنحنى عائد السندات المسطح إلى جانب سياسة التشديد النقدي التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة الضغوظ التضخمية.
لكن ليس من السهل اعتبار أننا في مرحلة متأخر من الدورة الاقتصادية، حيث تشير القراءات المختلفة إلى إشارات متنوعة، بحسب تحليل نشرته صحيفة "الفايننشال تايمز".
ومن أجل تحديد ما إذا كانت الأوقات الجيدة تقترب من النهاية أم لا، قام "بيير لافوراكاد" و"أرند كابتن" في بنك "يو.بي.إس" بدراسة 120 حالة ركود اقتصادي في 40 دولة على مدى الأربعة عقود الماضية لمعرفة ماذا يحدث قبل أن تبلغ دورة الأعمال ذروتها.
وتتبع المحللان في البنك 14 مؤشراً مختلفاً بشأن نقاط تحول محددة ومقارنتها مع النماذج التاريخية مقابل أرقام البيانات الحالية الصادرة عن الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان.
وقاما بعد ذلك بتصميم العديد من الرسوم البيانية التي تصور سلوك المؤشرات ذات الصلة في الفصول الأربعة السابقة والربعين بعد هذه القمم المحددة في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ثم مقارنته مع ما يحدث في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان خلال الآونة الأخيرة مثل الربع الثاني أو الثالث من هذا العام.
والسؤال الذي أجابت عليه الدراسة هو، ما هي البيانات التي يتوقع رؤيتها خلال الستة الفصول الماضية على افتراض أن الاقتصاد على أعتاب ركود اقتصادي أو بمعنى آخر؟ هل تظهر البيانات الحالية أرقاماً مختلفة عن البيانات الموجودة في الدورات الاقتصادية المتأخرة سابقاً؟
لكن حتى إذا كانت البيانات الحالية تتماشى مع البيانات في الفترات المحيطة بالقمم السابقة، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الركود الاقتصادي محتمل الحدوث قريباً.
ووفقاً لكل من "لافوراكاد" و"كابتن"، فإن تسارع الاستهلاك الخاص ونمو الاستثمار وتحرك الإنتاجية من بين مؤشرات أخرى، تشير إلى أن الاقتصاد العالمي لم يصل بعد لنهاية الدورة الاقتصادية.
وبالنسبة للاستهلاك الخاص، فإنه من المعتاد أن يتراجع هذا المؤشر قبل الوصول لقمة دورة الأعمال، في حين أن بيانات اليوم ترسم صورة مختلفة.
وفي النصف الأفضل من هذا العام يتجه الاستهلاك الأمريكي إلى الارتفاع، وفي الواقع لا تزال ثقة المستهلك على الرغم من انخفاضها قليلاً هذا الشهر لا تزال تحوم قرب أعلى مستوى لها منذ 18 عاماً.
وبالمثل يرتفع الاستهلاك في اليابان ومنطقة اليورو على الرغم من أن وتيرته أكثر اعتدالاً وتباطأت إلى حد ما.
وبالنسبة للاستثمار، فإن الوتيرة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان أيضاً تتحدى إشارات نهاية الدورة الاقتصادية السابقة.
وبحسب مؤشر إجمالي تكوين رأس المال الثابت، فإن الاستثمار يميل إلى الانخفاض خلال ذروة نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى النقيض، شهدت الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان ارتفاعاً ملحوظاً لمعدل الاستثمار خلال الأشهر الأخيرة.
وأخيراً نمو الإنتاجية، عادة في الفترات التي تسبق حدوث الركود الاقتصاد يتراجع هذا المؤشر.
وكان هذا هو الحال بالنسبة لليابان ومنطقة اليورو هذا العام لكن العكس صحيح بالنسبة للولايات المتحدة.
ورغم أن نمو الإنتاجية تباطأ خلال الربع الثالث إلا أنها سجلت صعوداً بنحو 1.3% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
وفي حين أن هذا لا يزال بطيئاً للغاية لكنه على الأقل يتوسع، وبالتالي هذه إشارة جديدة على أن النمو الاقتصادي ليس في مراحله الأخيرة حتى الآن.
وبالنظر إلى هذه النتائج إضافة إلى أداء مؤشرات الأخرى، يعتقد "لافوركاد" أن توقعات حدوث الانكماش الاقتصادي مبالغ فيها مضيفاً أن الأفراد واثقة للغاية من أن الركود سوف يحدث عام 2020.
لكن قراءات البيانات الأخرى مثل تراجع أسعار المنازل الأمريكية وانخفاض مبيعات السيارات، تشير إلى شيء أكثر قلقاً.
في حين أن "ديفيد بيج" في شركة مديري الاستثمار "إيه.إكس.إيه" يعترف بأن الاقتصاد العالمي يعطي إشارات متضاربة لكنه يؤكد أن هذه الاتجاهات في قطاع الإسكان ومبيعات السيارات تتوافق مع نهاية الدورة الاقتصادية.
ثم يوجد بعد ذلك تلاشي أثر التحفيز المالي في الولايات المتحدة.
وساعدت التخفيضات الضريبية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزمة الإنفاق التي تم إقرارها في فبراير الماضي على دفع النمو لكن في السنوات القادمة سوف يتوقف هذا الدعم المادي الذي عزز الاقتصاد العالمي، وبشكل محدد مع نهاية العام المقبل.
ومن خلال تتبع التغير في توازن الموازنة الحكومية المعدل دورياً من عام لآخر، والذي يعتبره "آدم كول" في "آر.بي.سي كابيتال ماركتس" بديلاً جيداً للتوسع أو الانكماش المالي فإن المجال لا يزال متاحاً أمام الدعم المالي رغم أنه قد يكون أقل في عام 2019، حيث سيبلغ 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 2.5%.
وعندما يتلاشي هذا التحفيز المالي، فإن الوضع سيكون كذلك بالنسبة للنمو الاقتصادي بالولايات المتحدة.
وبعيداً عن الاقتصاد، يوضح "جورج جونكليفز" من شركة "نومورا" أنه ليس فقط منحنى العائد المسطح الذي يحتمل أن يكون إشارة الركود الاقتصادي الأكثر شهرة، الذي يشير إلى أننا في دورة اقتصادية متأخرة.
ويضيف أن الأسواق المالية تمنح إشارات كذلك، مثلاً لاحظ قيمة صافي ثروة الأسر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي والقيمة الإجمالية لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.
ويوضح إن تتبع تأثير الثروة من ارتفاع أسعار الأصول يقول الكثير بشأن دورة الأعمال، مثلما يوضح الرسم البياني التالي، حيث أن كل من هذه المعدلات تسجل مستويات قياسية مرتفعة.
هذه المعدلات لا تشير بالضرورة إلى نهاية الدورة الاقتصادية، ولكن إذا لم يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة أعلى فإنه عادة ما تتكيف هذه المؤشرات من خلال هبوط أسعار الأصول المالية
ويشير إلى أن حقيقة أن معظم مؤشرات الأسواق الخطرة تسجل حالياً مستويات قياسية فإن الأمر يصبح أكثر إثارة للقلق.