
القلق يتزايد يوماً بعد يوم، الإشارات تظهر هنا وهناك، التحذيرات تتصاعد نغماتها، ما دفع قصة التباطؤ الاقتصادي العالمي لتتصدر لوحة الحدث الأبرز داخل الأسواق العالمية بالأسبوع الماضي.
ولم يقتصر الأمر على مجرد مخاوف أو إشارات، لكن بات بالفعل هناك تقارير رسمية تترجم هذا الوضع إلى توقعات أقل من التقديرات السابقة إلى جانب تحول ظاهر بعيداً عن تشديد السياسة النقدية.
وفي تحرك إضافي إزاء وقف خطط التشديد النقدي، سلط تقرير إعلامي الضوء على قرب بنك الاحتياطي الفيدرالي من قرار قد ينهي سياسة خفض ميزانيته العمومية والتي بدأت في أكتوبر 2017 بعد أن وصلت لأكثر من 4.5 تريليون دولار.
وبعد أن رفع المركزي الأمريكي معدل الفائدة 4 مرات في العام الماضي، قرر تقليص وتيرة الزيادة في 2019 لمرتين بدلاً من 3 مرات محددة سابقاً كما أعطى إشارات حول تأجيل هذه الخطوات حتى نهاية النصف الأول من العام على الأقل.
لكن رغم المخاطر الآخذة في الزيادة إلا أن مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد استبعدت في الوقت نفسه وجود ركود اقتصادي عالمي يلوح في الأفق.
السحب تتكاثر
ليس هناك في الوقت الراهن أكثر من السحب التي تتجمع بشدة لتقر جميعها حقيقة واحدة وهي أن تباطؤ الاقتصاد العالمي قادم لا محالة.
وفي خطوة تحدث للمرة الثانية في نحو 3 أشهر، قرر صندوق النقد الدولي خفض تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العامين الحالي والمقبل إلى 3.5% و3.6% وهو أقل بنسبة 0.2% و0.1% عن التقديرات السابقة.
الأرقام كانت أقل قليلاً من منظور منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والتي سارت على النهج نفسه، أيّ توقع وتيرة نمو أقل، ليكشف تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية عن احتمالية نمو بنحو 3% في عامي 2019 و2020 مقابل توقعات العام الماضي عند 3.1%.
وتزامن خفض التقديرات مع تحذيرات أطلقتها المنظمة إزاء استدامة النمو الاقتصادي العالمي مع تزايد المخاطر التجارية فضلاً عن التحديات المالية والاجتماعية والبيئية الآخذة في الزيادة.
وبحسب مسح أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن 91% من بين 1000 مشارك بالاستطلاع يتوقعون زيادة مخاطر الاحتكاكات الاقتصادية هذا العام بين الدول الكبرى.
حالات منفصلة
ويعيش اقتصاد منطقة اليورو الآن تحت مظلة مليئة بالتشاؤم تزامناً مع توقف برنامج المركزي الأوروبي بشأن شراء الأصول، وهي السياسية التيسيرية التي لجأ لها البنك في أعقاب الأزمة المالية العالمية لتحفيز الاقتصاد آنذاك.
وبطبيعة الحال، خفض تقديرات النمو الاقتصادي ليس الحالة الوحيدة هنا، لكنه جاء مصحوباً بنغمات تحذيرية تؤكد أن المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية تحركت بالاتجاه الهابط كما يقول رئيس المركزي الأوروبي ماريو دراجي.
ويصاحب الوضع العالمي تطورات منفصلة، حيث من المحتمل أن يشهد الاقتصاد الأمريكي هذا العام وتيرة توسع أقل من المتوقعة بفعل زيادة معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية عن المعدل المحايد، حسبما أفاد الصندوق الدولي.
أما فيما يتعلق بالاقتصاد الذي يتصدر قائمة الأكبر عالمياً بعد الولايات المتحدة، فإن الصين سجلت خلال عام 2018 أبطأ وتيرة نمو اقتصادي في نحو 28 عاماً عند مستوى 6.6%، لكن مع ذلك يبدو هذا التباطؤ وكأنه تحت السيطرة على حد قول مديرة صندوق النقد التي ترى أنه إذا كان سريعاً بشكل مفرط فسيُشكل أزمة حقيقية محلية.
وتكرر المشهد نفسه داخل أكبر اقتصاد أوروبي، حيث كشف تقرير أن الحكومة الألمانية خفضت تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي من 1.8% إلى 1% خلال العام الحالي وذلك قبل أن يتوسع بنحو 1.6% في عام 2020، وهو ما يتزامن مع تراجع ثقة المستثمرين لأدنى مستوى بـ3 سنوات.
وفي أولى اجتماعات السياسة النقدية لهذا العام، قرر البنك الإبقاء على معدلات الفائدة في منطقة اليورو وسط تأكيدات تشير إلى أنها ستظل كذلك على الأقل حتى صيف 2019.
وخفض البنك المركزي الأوروبي تقديرات النمو الاقتصادي لمنقطة اليورو خلال العامين الحالي والمقبل إلى 1.5% مقارنة مع التقديرات السابقة والبالغة 1.8% و1.6% على الترتيب.
وفي البلد التي تعيش مأساة البريكست المزمع تنفيذه في غضون 10 أسابيع تقريباً، تفرض حالة عدم اليقين بشأن مغادرة المملكة المتحدة لعضوية الاتحاد الأوروبي بدون صفقة تهديدات قوية على الاقتصاد البريطاني.
وكان صندوق النقد، حذر في نوفمبر الماضي أن البريكست دون اتفاق سيكلف الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة نحو 6% لكن مع افتراض وجود صفقة فمن المتوقع أن يشهد الاقتصاد البريطاني نمواً 1.5% هذا العام.
وفي سياق هذه العدوى التي انتشرت سريعاً، فإن اقتصاد الفلبين شهد أبطأ وتيرة نمو في 3 سنوات خلال 2018 بزيادة 6.2% في ناتجها المحلي الإجمالي رغم أن هذا الصعود هو السابع على التوالي.
كما سجل اقتصاد كوريا الجنوبية أبطأ وتيرة نمو في 6 سنوات خلال عام 2018 والتي بلغت 2.7% مقارنة مع ارتفاع بنحو 3.1% في عام 2017.
وبالنسبة للوضع داخل اليابان، فإن البنك المركزي حذر من أن الاقتصاد المحلي للبلاد يواجه مخاطر عديدة من بينها الحمائية والبريكست إلى جانب السياسة الاقتصادية الأمريكية، وذلك بعد ثبت سياسته النقدية دون تغييرات.
وكان رئيس وزراء اليابان شينزو آبي بعث بنظرة متفائلة حول اقتصاد البلاد خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي مستبعداً الأمور السلبية.
ما هو السبب؟
وتعتبر التقلبات المتزايدة والحمائية المتصاعدة فضلاً عن التوترات الجيوسياسية هي العوامل الأساسية وراء اضطرابات الأسواق المالية الأخيرة كما من المتوقع أن تلقي بظلالها على المستثمرين في بداية هذا العام، كما يرى بنك "يو.بي.إس".
كما حذر مؤسس أكبر صندوق تحوط بالعالم من الركود الاقتصادي المقبل معتبراً أن النزاعات التجارية والقضايا السياسية الحالية تتشابه مع أوضاع السوق بالسنوات الأخيرة من فترة الكساد العظيم والتي حدثت في أواخر الثلاثينيات.
ويُعد كذلك تزايد المديونية خطر آخر، حيث تضاعف حجم الديون الحكومية حول العالم بحلول نهاية الماضي مقارنة مع مستواه إبان الأزمة المالية العالمية ليسجل 66 تريليون دولار، بحسب مذكرة بحثية صادرة عن وكالة فيتش والتي أرجعت هذه القفزة إلى الأسواق الناشئة.
وتتوالى الإشارات المقدمة من كيانات أو أشخاص ذات الصلة بالاستثمار، حيث يوصي بنك باركليز بضرورة تركيز المستثمرين على أسهم الأسواق المتقدمة والناشئة معتبراً أنهم يبالغون في مخاوفهم بشأن الوضع الاقتصادي.
ومع تنامي الاضطرابات التجارية بين واشنطن وبكين، نصح بنك جولدمان ساكس بحيازة الأسهم المنفصلة عن النمو الاقتصادي العالمي كما من المتوقع أن تشهد "وول ستريت" حدوث سوق دببة هذا العام، بحسب رؤية الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيللر.
وربما تشهد الأسواق العالمية أزمة مفاجئة بالسيولة التي باتت موجودة بسبب المخاوف من تفاقم الأوضاع للأسوأ وليس لإعادة الاستثمار، بحسب بنك "يو.بي.إس" السويسري.
وفي المقابل، يرحب آخرون بشدة بتباطؤ الاقتصاد العالمي وهو ما يرجع إلى تراكم المخاطر المالية قبل أن يتم معالجتها في الصين وخارجها.